20‏/03‏/2017

تلخيص كتاب: المنهج العلمي في دراسة الحديث المعلِّ

فيما يلي تلخيص للكتاب وهو لا يغني عنه ولن يفيد لمراجعة أهم العناوين الرئيسية فيه

تلخيص كتاب:
المنهج العلمي في دراسة الحديث المعلِّ
د. علي بن عبد الله الصيّاح
تعريف العلة:
لغة: علَّ :  لها ثلاثة أصول صحيحة:   ١- تكرر أوتكرير      ٢- عائق يعوق      ٣- المرض.
اصطلاحا: العِلّة والحديث المعل:
المعنى الأول: معنى خاص يراد به العلة الغامضة في إسناد ظاهره الصحة.
ليس لها ضابط، قد تكون اختلافا في إسناد حديث كرفعه ووقفه، أو وصله وإرساله. أو اختلافا في متن حديث كاختصاره أو الإدراج فيه أو روايته بالمعنى. وهو المراد في كلام المتأخرين الذي ذكروه في كتب المصطلح.
المعنى الثاني: عام يراد به الأسباب التي تقدح في صحة الحديث المانعة من العمل به. ومعناها أوسع من السابق.

أول من ذكر هذا العلم كنوع من أنواع علوم الحديث:
الحاكم أبو عبد الله محمد النيسابوري.

الأئمة المتقدمين في باب التعليل متفقون في الجملة:
أمثال شعبة بن الحجاج ويحيى القطان وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والنسائي والدارقطني وغيرهم متفقون في باب التعليل والتعليل بالتفرد بضوابط متفقون في الجملة وإن وقع منهم بعض الاختلاف.

أن تعاليل بعض الأئمة للأخبار مبنية في الغالب على الاختصار والإجمال والإشارة:
فيقولون: (الصواب رواية فلان) أو (وَهِم فلان) أو ( حديث فلان يشبه حديث فلان) ولا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك مع وجودها عندهم. وسبب ذلك: أن كلامهم موجه في الغالب إلى أناس يفهمون الصناعة الحديثية والعلل والإشارة، وقد خَشِي الأئمة من أن يساء بهم الظهر إذا تكلموا بهذا عند من لا يحسنه.

بعض أئمة العلل والمبرزين فيه:
١- شعبة بن الحجاج الواسطي. أول من وسع الكلام في علم الجرح والتعديل واتصال الإسانيد وانقطاعها ونقب عن دقائق علم العلل.
٢- ثم تلميذه يحيى بن سعيد القطان. 
٣- عبد الرحمن بن مهدي أبو سعيد. 
٤- يحيى بن معين أبو زكريا. 
٥- علي بن عبد الله المديني. من أبرز من أظهر هذا الفن وأشهره وأكثر فيه التصنيف.
٦- إسحاق بن راهويه.
٧- أحمد بن حنبل. وغيرهم كثير.

المؤلفات في هذا الفن كثيرة ومتعددة الطرائق والمناهج:
صنفت فيه كتب كثيرة مفردة بعضها غير مرتبة وبعضها مرتبة. غير أن الموجود قليل والمطبوع أقل لصعوبته وعدم الاهتمام به. مثل: التمييز لمسلم بن الحجاج، العلل الكبير للترمذي، علل ابن عمار الشهيد، علل ابن أبي حاتم، التتبع والعلل للدارقطني، شرح علل الترمذي لابن رجب.
وبعضها مبثوثة في كثير من كتب الجرح والتعديل والتواريخ والسنن وغيرها من الكتب مثل:
التاريخ الكبير، والأوسط للبخاري، سنن الترمذي، السنن الكبرى والصغرى للنسائي، تهذيب الآثار للطبري، السنن الكبرى للبيهقي.

خطوات دراسة الحديث المُعل:
بيان هذه الخطوات من خلال نص إمامين من أئمة العلل هما: يعقوب بن شيبة ، والدارقطني.

الخطوة الأولى: جمع طرق الحديث والنظر فيها مجتمعة:
والنظر في اختلاف الرواة والاعتبار بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.

الخطوة الثانية: تحديد مدار الحديث، والتعريف به وبيان حاله.
تحديد مدار الحديث أي الراوي الذي تلتقي عنده الأسانيد، والتعريف به من حيث اسمه ونسبه ومولده ووفاته وموطنه وأشهر شيوخه وتلاميذه.

الخطوة الثالثة: ذكر الرواة عن المدار وبيان اختلافهم عنه: مع مراعاة مايلي:
  • التأكد من سلامة الإسناد إلى الراوي عن المدار.
  • التأكد من عدم وجود اختلاف على الراوي عن المدار.
  • دراسة حال الراوي وبيان درجته من حيث الرواية ولا يتوسع في الترجمة بل يذكر ما يفي بالغرض.
  • ترتيب الروايات عن المدار حسب الاتفاق والاختلاف.

الخطوة الرابعة: الموازنة بين الروايات وبيان الراجح وأسباب الترجيح:
بهذه الخطوة يتميز الناقد البصير من غيره، ويتنبه الباحث في هذه الخطوة إلى أمور:
الأمر الأول: 
أن لا يحاكم الباحث الأئمة والنقاد المتقدمين على ضوء معلوماته التي استمدها من الكتب المتأخرة. فيعمد إلى تغليط الأئمة في مصطلحاتهم فيفوّت على نفسه علما كثيرا.
الأمر الثاني: 
إتباع الأئمة المتقدمين في تعليلهم للأخبار إذا لم يوجد مخالف لهم، حيث قد تقصر عبارة المعلل منهم فلا يفصح بما في نفسه من ترجيح، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله فالأولى اتباعه، وعدم التسرع بالرد عليه، وهذا من باب الإتباع المحمود لا التقليد المذموم. 
أما إن وجد غيره صححه فينبغي الترجيح بين كلاميهما.
الأمر الثالث: 
أهمية معرفة قرائن الترجيح التي طبقها الأئمة للموازنة بين الروايات المعلة، مثل: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع ونحوه.

قرائن الترجيح والجمع والتعليل عند حفاظ الحديث ونقاده:
أحيانا يصرح بها الأئمة وأحيانا تستنبط من صنيعهم، ومن ذلك:
١- الترجيح بالحفظ والإتقان والضبط، وقد عقد الترمذي في جامعه فصلا ذكر فيه تفاضل أهل العلم في الحفظ.
٢- الترجيح بالعدد والكثرة إن تساووا بالحفظ، والترجيح للأحفظ إن استوى العدد.
٣- سلوك الراوي للجادة والطريق المشهور. 
٤- الترجيح بالنظر إلى أصحاب الراوي المقدمين فيه. وهذه أشهر القرائن في كتب العلل. وقد عنى أئمة العلل بتقسيم الرواة عن الأئمة المشهورين وجعلهم طبقات وبينوا من يقدم منهم عند الاختلاف.  وأحسن من ذكر نصوصهم مجتمعة ابن رجب في شرح علل الترمذي.
٥- الترجيح باعتبار البلدان واتفاقها. أي أن أهل البلد أعرف برجالها.
٦- الترجيح بالزيادة. وهذا حسب حال الراوي وما يناسبه من الترجيح.
٧- عدم وجود الحديث في كتب الراوي الذي روى الحديث عنه.
٨- شهرة الحديث وانتشاره من طريق يدل على غلط من رواه من طريق آخر.
٩- وجود قصة في الخبر تدل على صحة الطريق.
١٠- التفرد - سواء مع المخالفة أو عدمها - خاصة عن الأئمة المشهورين.
١١- تحديث الراوي في مكان بدون كتبه.
١٢- التحديث بنزول مع إمكانية العلو في السماع.
١٣- عدم العلم برواية الراوي عمن روى عنه، أو عدم سماعه منه.
١٤- رواية الراوي عن أهل بيته.
١٥- اختلاف المجالس وأوقات السماع، وسماع اثنان لرواية من نفس المجلس أقوى من سماع أحد الحفاظ وإن كانوا أتقن منه.
١٦- ورود الحديث بسلسلة إسناد لم يصح منها شيء، أو في باب لم يصح فيه شيء.
١٧- كتابة الحديث والتحديث من كتاب، وهم قوم ثقات لهم كتاب صحيح وفي حفظهم بعض شيء.
١٨- ضعف الراوي أو وهمه أو اضطرابه، وهي قرينة مشهورة.
١٩- مشابهة الحديث لحديث راو ضعيف. حذّاق النقاد لكثرة ممارستهم للحديث لهم فهم خاص يفهمون به أن حديث فلان يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره.
٢٠- اتفاق حديث الرجلين في اللفظ يدل على أن أحدهما أخذه عن صاحبه.
٢١- قبول الراوي للتلقين.
٢٢- مجيء ما يدل على خلاف الحديث المرفوع عن نفس الراوي موقوفا عليه.
٢٣- مخالفة الراوي لما روى سواء وجد اختلاف أو لم يوجد.
٢٤- اضطراب إحدى الروايات، حديث لم يختلف فيه على راويه أصلا أصح من حديث اختلف فيه في الجملة.
٢٥- تصريح الراوي بالرجوع عن رواية معينة.
٢٦- شهرة الراوي بأمر معين، كاختصار المتون أو الإدراج فيها أو الرواية بالمعنى أو قصر الأسانيد أو جمع الرواة حال الرواية..إلخ.
والقرائن كثيرة لا تنحصر فكل حديث له نقد خاص وكل حديث يقوم به ترجيح خاص.
قال ابن رجب:

“قاعدة مهمة: حذّاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره وإنما يرجع فيه إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم”.

يمكنكم تلخيص نسخة من الكتاب في الرابط التالي:

17‏/03‏/2017

تلخيص كتاب: ضوابط الجرح والتعديل

تأليف: د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف

الجرح لغة:  
  • الجَرح بالفتح: التأثير في الجسم بالسلاح، وقيل باللسان.
  • الجُرح بالضم: اسم للجرح في الأبدان.
قال بعض فقهاء اللغة: الجُرح يكون في الأبدان بالحديد ونحوه، والجَرح باللسان في المعاني والأعراض ونحوه.
الجرح اصطلاحا:
وصف الراوي في عدالته أو ضبطه بما يقتضي تليين روايته أو تضعيفها أو ردها.
  • الموصوف بما يقتضي تليين روايته: الصدوق سيء الحفظ، تتقوى روايته بوجود قرينة مرجحة لجانب حفظه.
  • الموصوف بما يقتضي تضعيف روايته: لا يخلو من أن يكون تضعيف الراوي:
١- تضعيف مطلق: عند تفرده، لا تقبل روايته لكن تتقوى بالمتابعة من مثله فترتقي إلى حسن لغيره.
٢- تضعيف مقيد: بالرواية عن بعض الشيوخ أو البلدان أو الأوقات، فيختص الضعف بما قُيد به.
٣- تضعيف نسبي: عند المفاضلة بين راويين أو أكثر، يختلف الحكم عليه بحسب قرينة الحال.
  • أما الموصوف بما يقتضي رد روايته: هو الضعيف جدا فمن دونه، لا يُقوي غيره ولا يتقوى بغيره.

التعديل: 
  • لغة: التسوية.
  • اصطلاحا: وصف الراوي في عدالته وضبطه بما يقتضي قبول روايته.
يشمل من تقبل روايته وتعتبر في مرتبة الصحيح لذاته، والحسن لذاته.
التعديل: يعني الحكم بعدالة الراوي، لكنها استخدمت بمعنى أشمل وهو التوثيق، أي الحكم بعدالته وضبطه معا.
     العدالة: ملكة تحمل المرء على ملازمة التقوى والمروءة.
     العدل: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
  • الإسلام والبلوغ شرطان للأداء وليسا بشرطين للتحمل. (التحمّل هو سماع الحديث وأخذه عن النبي ﷺ أو عن الصحابة وغيرهم بعد وفاته).
  • البلوغ والعقل مناط التكليف الشرعي، لكن قد يضبط الصبي المميز بعض ما سمعه أو شاهده.
  • السلامة من الفسق وخوارم المروءة تكون بالتحقق في ظاهر حال الراوي. ( يقل التضعيف بفعل خوارم المروءة ).
     
  الضبط: ضبط صدر وضبط كتاب. ( هناك أمور أخرى منتقدة على الرواة غير العدالة والضبط كالتدليس وكثرة الإرسال وعدم إنتقاء الشيوخ ).

الأصل في اعتبار عدالة الراوي: 
  • من القرآن: “يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..” نص في وجوب التبيّن والتثبّت.
  • من السنة: “نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه..” 

حكم الجرح: جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة ولا يعد من الغيبة المحرمة. 
   وذكر النووي أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعا لا يمكن الوصول إليه إلا بها.

من الأدلة على جواز الغيبة لغرض شرعي مايلي:
١- «أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلَّق النبي في وجهه وانبسط إليه فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلَّقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله ﷺ: يا عائشة متى عَهِدتني فاحشاً؟ إنّ شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة مَنْ تركه الناس اتقاء شرّه» وفي رواية: «اتقاء فُحْشِهِ».
٢- وعن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة فقال النبي ﷺ: “فإذا حللت فآذنيني”. قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني. فقال: رسول الله ﷺ: “أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد”.               



أما الإخراج للراوي في الصحيحين: فإنه يكسبه توثيقا ضمنيا في العدالة، وأما في الضبط فإنه يكتسبه إن كان الإخراج له في الأصول، مع مراعاة وجه الإخراج له، وإن كان الإخراج له في المتابعات والشواهد ونحوها فبحسب حاله.

إذا كان عمل العالم مخالفا للحديث الذي يرويه:
الخطيب البغدادي وابن الصلاح: لم يكن ذلك جرحا منه لمن روى عنه.
وتعليل ذلك: احتمال كون العالم ترك العمل بالخبر لما يلي:
١- لخبر آخر يعارضه أو عموم أو قياس.
٢- لكونه منسوخا عنده.
٣- لأنه يرى أن العمل بالقياس أولى منه.

ما يعرف به ضبط الراوي:
١- مقارنة رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان. 
إن كانت روايته موافقة لرواياتهم في الأغلب، والمخالفة نادرة فهو ضابط ثبت. وإلا فهو مختل الضبط لا يحتج بحديثه.
لكن إن كان له كتاب صحيح التزم بالأداء منه دون حفظه قبلت روايته.

٢- امتحان الراوي بأساليب متنوعة. 
- أن تُقرأ عليه أحاديث تُدخل ضمن رواياته لينظر أيفطن لها أم يتلقنها؟ كما فعل يحيى بن معين في امتحان أبي نعيم الفضل بن دُكين.
- قلب الأسانيد كما فعل محدثو بغداد في اختبارهم لحفظ البخاري.
وهذا الأسلوب في الامتحان محل خلاف: 
١- يحيى بن سعيد القطان لا يحله لما يترتب عليه من تغليط الممتحِن لمن يمتحنه، وقد يستمر في غلطه! كما أنه قد يسمعه من لا خبرة فيه فيرويه ظانا أنه صواب.
٢- ابن حجر: رجح جواز الامتحان بأن مصلحته أكثر من مفسدته.
٣- شعبة بن الحجاج ويحيى بن معين يمتحنان الرواة بقصد اختبار ضبطهم.

شروط المعدل والجارح، أن يكون:
١- عدلا.   ٢- ورِعا يترفع عن التعصب والهوى.    ٣- يقظا غير مغفل.   ٤- عارفا بأسباب الجرح والتعديل.

اختلاف العلماء في اشتراط تفسير الجرح والتعديل:
١- مذهب الجمهور: يقبل التعديل مبهما ولا يقبل الجرح إلا مفسرا.
 -  لأن أسباب التعديل كثيرة يثقل ذكرها بخلاف الجرح فإنه يحصل بأمر واحد.
          • لاختلاف الناس في موجب الجرح لاسيما إن كان الإمام متشددا يجرح بما لا يكون قدحا عند غيره.

٢- القول الثاني: يقبل الجرح مبهما ولا يقبل التعديل إلا مفسرا.
        • لأن الجرح إنما يؤخذ من إمام عارف بأسباب الجرح والتعديل.
        • لأن أسباب التعديل يكثر التصنع فيها والتظاهر بها.

٣- القول الثالث: لا يقبلان إلا مفسرين. وذلك لما تقدم من تعليل اشتراط تفسيرهما لا سيما مع اختلاف الناس في موجب التعديل.

٤- القول الرابع: يقبلان مبهمين. وذلك لما تقدم من تعليل قبولهما وإن كانا مبهمين.

٥- قول الحافظ ابن حجر:
قبول التعديل مبهما، والتفصيل في قبول الجرح على النحو التالي:
أ- إن كان من جُرِح مجملا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يُقبل الجرح فيه من أحد إلا مفسرا، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي. كذا قال الإمام أحمد.
ب- إن كان من جُرِح جرحا مبهما قد خلا عن التعديل قُبِل فيه الجرح وإن كان مبهما إذا صدر من إمام عارف. لأن الراوي إذا لم يُعدَّل فهو في حيز المجهول، فإعمال قول المُجرِّح فيه أولى من إهماله.

الضابط لطلب تفسير الجرح: 
يرد الجرح مبهما غالبا، ويتأكد طلب تفسيره حيث توجد قرينة داعية إليه، كأن يحتمل الحال شكّاً إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح، أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح ولا ينتهي الاعتبار به على الإطلاق بل يكون بين بين.
أما إذا كان الجارح حبرا من أحبار الأمة أو كان المجروح مشهورا بالضعف فلا حاجة إلى التفسير.

جواب ابن الصلاح عما تضمنته كتب الجرح والتعديل من الجروح المبهمة:
قال ابن الصلاح: “ولقائل إن يقول إنما يعتمد الناس في جرح الرواة على كتب الجرح والتعديل، وقلما يتعرضون فيها لبيان السبب، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الغالب.
وجوابه: التوقف عن قبول رواية من جُرح حتى ولو نثبت جرحه، وقبول رواية من عُدِّل بالبحث عن حاله، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن مسهم الجرح من غيرهم. نوقش هذا الجواب بما يلي:
١- قول الحافظ ابن كثير: أن كلام الأئمة المتصدرين لهذا العلم ينبغي أن يؤخذ مسلّما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم واتصافهم بالديانة والنصح والخبرة.
٢- قول الحافظ ابن حجر: إن خلا المجروح عن التعديل قُبِل الجرح فيه مجملا غير مبين السبب إذا صدر من عارف. 



من ضوابط تعارض الجرح والتعديل:
الأصل تقديم الجرح المفسر على التعديل، وتقديم التعديل على الجرح المبهم، وهذا مقيد بضوابط:
١- اعتبار منهج الأئمة في جرحهم وتعديلهم، فهم على ثلاثة أقسام:
    • من هو متعنّت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ويلين بذلك حديثه. مثل شعبة بن الحجاج والنسائي.
    • من هو معتدل في التوثيق منصف في الجرح. ومنهم سفيان الثوري والبخاري وأحمد.
    • من هو متساهل. مثل الترمذي وابن حبان والدارقطني.

فائدة هذا التقسيم: 
إذا جاء التوثيق من المتشددين يُؤخذ به. إلا إذا خالف الإجماع أو كان الجرح مفسَّرا.
إذا جاء الجرح من المتشددين فإن وافقهم أحد من الحذّاق فهو ضعيف، وإن لم يوافقهم أحد فلا يؤخذ بقولهم.
وإذا جاء التوثيق من المتساهلين فإن وافقهم أحد من الأئمة أُخِذ بقولهم. وإن انفرد فلا يُسلّم له. من عادة ابن حبان توثيق المجاهيل.
أما الجرح فليسوا فيه على منهج واحد، بل منهم من يتساهل مع الضعفاء كالعجلي ومنهم من يتعنّت أحيانا كابن حبان.
أما المعتدلون المنصفون فإنه يعتمد على أقوالهم في الحكم على الرواة جرحا وتعديلا ما لم يُعارض بجرح مفسَّر خال من التعنت فإنه يقدم على التوثيق. 


٢- كل طبقة من طبقات نقّاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط. 
فمن الأولى: شعبة بن الحجاج و سفيان الثوري ، وشعبة أشد.
ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد*.
ومن الثالثة: يحيى بن معين والإمام أحمد، ويحيى أشد.
ومن الرابعة: أبو حاتم الرازي والبخاري، وأبو حاتم أشد. 
والفائدة من ذلك: طلب المقارنة بين أقوال النقّاد من الطبقة الواحدة في حكمها على الراوي.

٣- يُتوقف في قبول الجرح إذا خُشي أن يكون باعثه الاختلاف في الاعتقاد أو المنافسة بين الأقران. قال الحافظ ابن حجر: ينبغي التوقف في هذه الحالة كما في انحراف أبي إسحاق الجوزجاني مع أهل الكوفة. ويلحق به غلاة الشيعة. ويلحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب.

٤- لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته. لا يلتفت إلى كلام ابن أبي ذئب في الإمام مالك. وكذلك كلام ابن معين في الإمام الشافعي. قال الحافظ الذهبي: قد آذى ابن معين نفسه بذلك ولم يلتفت الناس إلى كلامه.

٥- لا عبرة بجرح أو توثيق لم يصح إسناده إلى الإمام المحكي عنه.

٦- لا يُلتفت إلى الجرح الصادر من المجروح إلا بالشروط التالية:
        • إذا كان الجارح إماما له عناية بهذا الشأن.
        • وقد خلا الراوي المجروح عن التوثيق.
        • ولم تظهر قرينة تدل على تحامل الجارح في جرحه.

٧- لا يلتفت إلى جرح يغلب على الظن أن مصدره ضعيف.
من ذلك أن عبد الرحمن بن شريح ثقة اتفاقا، لكن شذّ ابن سعد فقال منكر الحديث. قال الحافظ ابن حجر: لم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا فإن مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي ليس بمعتمد.

٨- التأني في الأخذ بجرح الإمام المتأخر إذا عارض توثيق الأئمة المتقدمين حتى يتبين وجهه بما يجرح الراوي مطلقا.

٩- قد يقع الجرح بسبب الخطأ في النسخ من الكتب.
كما في قول البخاري عن بشر بن شعيب: “ تركناه”، كذا نقل ابن حبان فوَهِم على البخاري وذكره في الضعفاء. إنما قال البخاري: “تركناه حيا سنة ٢١٢هـ”.

١٠- قال الحافظ ابن حجر: “ من عُرِف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة فإنه إذا روى عن رجل وُصِف بأنه ثقة عنده. كمالك وشعبة والقطان والإمام أحمد..

١١- الرواة الذين أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، على قسمين:
أ - من احتجّا به في الأصول:
١- من لم يُتَكُلَّم فيه بجرح: فذاك ثقة حديثه قوي وإن لم ينص أحد على توثيقه. حيث اكتسب التوثيق الضمني من إخراج الشيخين أو أحدهما له على وجه الاحتجاج.

٢- من تُكُلِّم فيه بالجرح فله حالتان:
                • يكون الكلام فيه تعنُّتا والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضا.
                • يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا لا ينحط حديثه عن الحسن لذاته.

ب- من خرّجا له متابعة واستشهادا واعتبارا:
تتفاوت درجاتهم في الضبط مع حصول اسم الصدق لهم، لكن إذا وُجِد لغير الإمام في أحد منهم طعن فلا يقبل إلا مبيَّن السبب، لأن الأسباب الحاملة على الجرح متفاوتة. 
١٢- تراعى اصطلاحات الأئمة فيما يطلقونه من ألفاظ الجرح والتعديل.
كقول يحيى بن معين: فلان لا بأس به، يعني ثقة. وقوله: فلان ليس بشيء، يعني أن أحاديثه قليلة جدا.
اصطلاح الذهبي عند كتابة صح أول الاسم تشير إلى توثيقه.

١٣ـ قد تختلف دلالة اللفظ جرحا وتوثيقا باختلاف ضبطه.
فلان مُود بمعنى: هالك، من قولهم أودى فلان أي هلك، ومُؤدّ: أي حسن الأداء.

١٤- قد يرد التوثيق والتضعيف من الأئمة مقيَّدين فيحكم بحسب ما يقتضيان معا من جرح وتوثيق. مثل:
أ - توثيق الراوي فيما حّدث به في بلد دون آخر.
كأن يحدث الراوي في مكان بدون كتبه فيخلّط، ويحدّث في مكان آخر من كتبه فيضبط.
ب- توثيق الراوي فيما حدّث به عن أهل إقليم دون آخر.
أن يسمع الراوي من أهل مِصر فيحفظ حديثهم، ويسمع من مِصر آخر فلا يحفظ حديثهم.
ج- توثيق رواية الراوي إذا جاءت من طريق أهل إقليم دون آخر.
لكون الراوي حدّث عنه أهل إقليم فحفظوا حديثه، وحدّث عنه غيرهم فلم يقيموا حديثه.
د - تضعيف ما حّدث به الراوي الثقة عن بعض شيوخه.
لكون الراوي ثقة، لكن في حديثه عن بعض شيوخه ضعف بخلاف حديثه عن بقية الشيوخ.
هـ - تضعيف رواية الراوي غير المتقن إذا جمع في الإسناد عددا من شيوخه دون ما إذا أفردهم.
كما يفعل الواقدي وغيره ممن لا يضبط. 
أما الزهري فقد فهو حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم ويقبل منه الجمع.
و- توثيق حديث الراوي في وقت دون وقت.
أن يخلط الراوي الثقة في أواخر عمره تخليطا فاحشا أو يسيرا.
ومنهم من أضرّ في آخر عمره ، ومنهم من ساء حفظه لما ولي القضاء.
ز- تضعيف رواية الراوي من حفظه وتوثيق روايته من كتابه.

١٥- يراعى سياق الكلام الذي ترد أثناءه ألفاظ الجرح والتعديل وقرائن الأحوال التي اقتضت ورودها في الراوي. يأتي التوثيق والتضعيف نسبيين ويكون ذلك موردا للجمع بين الأقوال والترجيح بين الرواة.

١٦- قد يرد إطلاق التوثيق من الأئمة المتقدمين أكثر شمولا منه عند المتأخرين، وهو عند المتأخرين أكثر تحديدا لدرجة الراوي. ويوضح ذلك أن الحديث عند المتقدمين إما صحيح وإما ضعيف.

١٧- قد يتخصص الراوي في فن من فنون الرواية بسبب ما يبذله فيه من جهد في تلقّيه وأداءه، فيكون حجة في ذلك الفن، وأما ما سواه فقد يحتج به وقد تقصر درجته عن الاحتجاج أو عن حتى عن الاعتبار. مثل : حفص المقرئ المشهور، كان ثبتا في القراءة واهيا في الحديث.

١٨- قد ترد ألفاظ الجرح والتعديل المنقولة من كتب المتقدمين مختصرة أو محكية بالمعنى في كتب المتأخرين، فيؤثر ذلك الاختصار وتلك الحكاية للفظ في الحكم على الراوي.

١٩- يتأثر الجرح والتعديل الصادران من الأئمة المتأخرين بقدر اطلاعهم على أقوال الأئمة المتقدمين في الحكم على الراوي.

٢٠- لا يشترط في الرواة المتأخرين ما يشترط في الرواة المتقدمين من الضبط والإتقان.
وقد اعتبر الحافظ الذهبي الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر: رأس سنة ثلاثمائة. 
وأوضح السخاوي وجه التفرقة بين المتقدمين والمتأخرين بقوله:
لما كان الغرض أولا معرفة التعديل والتجريح ليتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف حصل التشدد بمجموع تلك الصفات. ولما كان الغرض آخرا الاقتصار في التحصيل على مجرد وجود السلسلة الندية اكتفوا بما ترى. 
وجوه الطعن في الراوي



ما يتعلق بجهالة الراوي: 
أي: لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح. ويدخل تحتها: إبهام اسم الراوي، وجهالة عينه، وجهالة حاله.
أسباب الجهالة:
١- أن يُسمِّي الراوي شيخه أو يكنيه على غير ما اشتهر به ذلك الشيخ فيُظَّن أنه شيخ آخر ويكثر هذا في تدليس الشيوخ.
٢- أن يكون الراوي مقِلّا من رواية الحديث فلا يُعرف.
٣- أن يُبهِم الراوي اسم شيخه، كأن يقول: حدثني رجل، حدثني بعضهم.
٤- أن يذكر الراوي اسم شيخه مهملا، كأن يقول: حدثني فلان أو ابن فلان.
٥- عدم نص الأئمة على توثيق الراوي أو تضعيفه.
أما المبهم من الرواة: فهو من لم يسمّ اسمه، فهذا لا يقبل حديثه، لأن شرط قبول الرواية معرفة عدالة الراوي، ومن أُبهِم اسمه لا تعرف عينه فكيف تعرف عدالته وضبطه.

أما توثيق المبهم: كقولهم: حدثني الثقة، فهذا على خلاف:
١- الخطيب البغدادي: لا يكفي في توثيق الراوي، فقد يكون ثقة عند من أبهمه مجروحا عند غيره.
وهو الراجح، لأنه لا يلزم من توثيق الراوي لشيخه أن يكون كذلك عند غيره.
ولأن الإمام قد يتفرد بتوثيق الراوي المتفق على ضعفه لكونه ثقة عنده.
ولأن إضراب المحدث عن تسمية شيخه ريبة توقع ترددا في القلب.
٢- أبو حنيفة: يكفي لتوثيق الراوي، لأن الموثِّق مؤتمن على ذلك، وهو نظير الاحتجاج بالمرسل من جهة أن المرسِل لو لم يحتجّ بالمحذوف لما حذفه، فكأنه عدّله، ولأن الإبهام وقع بلفظ التوثيق الصريح.

من ضوابط هذه المسألة:
أ- أن ذلك الراوي الموثَّق بصيغة (حدثني الثقة) قد يعرف بالنص عليه أو الاستقراء لألفاظه، فإن كان ثقة اعتمد في حقه ذلك التوثيق.
ب- أن هناك فرقا بين الإبهام بلفظ (حدثني الثقة) و (حدثني من لا أتهم) فالأولى أرفع لصراحتها في التوثيق. 

أما المجهول ففيه خلاف: 
أولا نذكر الأقوال في تعريف المجهول ثم نبين الخلاف في توثيق المجهول.
الخطيب البغدادي: من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به ولم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد.
الحافظ ابن الصلاح: المجهول ثلاثة أقسام:
                  • مجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا.
                  • مجهول العدالة في الباطن دون الظاهر.
                  • مجهول العين.
الحافظ ابن حجر: المجهول قسمان:
                  • مجهول العين: من لم يروِ عنه غير واحد ولم يوثَّق.
                  • مجهول الحال ( المستور ) : من روى عنه اثنان فأكثر ولم يوثَّق.
المذهب الأول الجمهور: جهالة العين ترتفع بالتوثيق الصريح، ولا ترتفع بتفرد الواحد بالرواية عن الشيخ، ورواية الإثنين عنه تفيد التعريف دون التعديل.
المذهب الثاني: مذهب ابن حبان (في كتابه الثقات) :
قال ابن حبان: أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه فهو على العدالة إلى أن يتبين جرحه، وترتفع  جهالة العين برواية واحد مشهور إذا تعرّى خبره عن خصال خمس:
١- أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في الإسناد رجل ضعيف لا يُحتج بخبره.
٢- أن يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته.
٣- أن يكون الخبر مرسلا لا يلزمنا به الحجة.
٤- أن يكون منقطعا لا يقوم بمثله الحجة.
٥- أن يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبيّن سماعه في الخبر مَن الذي سمعه منه.
وقد انتقد الحافظ ابن حجر هذا المذهب.
الاحتجاج بحديث المجهول:
مذهب ابن حبان: قبول رواية المجهول والاحتجاج بها إذا لم يعرف فيه الجرح.
مذهب الجمهور: التفريق بين مجهول العين ومجهول الحال على النحو التالي:
أولا: قبول رواية مجهول العين:
١- مذهب الأكثرين وهو الراجح: رد رواية مجهول العين مطلقا. وتعليله: أن من جُهِلت عينه فمن باب أولى أن تجهل حاله في العدالة والضبط.
٢- القول الثاني: قبول روايته إذا كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل. تعليله: أن اطراد العادة بذلك توثيقا ضمنيا للراوي.
٣- قول ابن عبد البر: قبول روايته إن كان مشهورا كأن يشتهر بالزهد أو النجدة أو الكرم، فإن اشتهر بالعلم فقبوله من باب أولى. تعليله: أن المشهور بمثل هذه الصفات يندر خفاء حاله فمثله لا يضره تفرد راو بالرواية عنه.
٤- ابن حجر: يقبل حديثه إذا زكاه أحد أئمة الجرح والتعديل.
ثانيا: قبول رواية مجهول الحال:
١- مذهب الجمهور: رد رواية مجهول الحال. توجيهه أن رواية راويين فأكثر تعريف به لا توثيق له.
٢- المذهب الثاني: قول الدار قطني: من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته.
٣- المذهب الثالث: أن رواية المستور لا يُطلق القول بردها ولا بقبولها بل هي موقوفة إلى استبانة حاله. اختاره الحافظ ابن حجر.


ضوابط موضوع الجهالة:
١- أن الخلاف في قبول رواية المجهول إنما هو في حق من دون الصحابة رضي الله عنهم، وأما الصحابة فهم عدول بتعديل الله لهم.
٢- روايات المجهولين على درجات، فكبار التابعين أعلى من صغار التابعين وأتباع التابعين.
٣- الرواة الذين احتج بهم صاحبا الصحيحين أو أحدهما يكتسبون التوثيق الضمني بذلك وترتفع عنهم الجهالة.
٤- لا يلزم من حكم بعض الأئمة بالجهالة على الراوي أن يكون مجهولا فقد يعرفه غيره فيوثقه.
٥- قد يقع التجهيل من إمام في حق أئمة مشهورين فلا يضرهم ذلك شيئا.
٦- قول أبي حاتم في الرجل أنه مجهول لا يريد به أنه لم يرو عنه سوى واحد.
٧- عادة الأئمة أن لا يطلقوا كلمة مجهول إلا في حق من يغلب على الظن كونه مجهولا لا يعرف مطلقا.
٨- جميع من ضُعِّف من النساء إنما ضُعِّفن للجهالة.
٩- لا يعتبر سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن توثيق الراوي وتضعيفه توثيقا له ولا جرحا فيه.
١٠- جهالة التعيين أن يقول الراوي: (حدثني فلان أو فلان) ويسميهما فإن كانا ثقتين فالحجة قائمة بذلك، وإن جهلت حال أحدهما مع التصريح باسمه أو أبهم فلا حجة بذلك، لاحتمال أن يكون المُخبِر هو المجهول.

ما يتعلق بعدالة الراوي: 
١- انخرام المروءة. المروءة: هي آداب نفسانية تحمل على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، ومرجعها العرف.
متى يُجرح الراوي بالقدح في مروءته؟
إن غلب على ظن العالِم أن مرتكب المباح المسقط للمروءة أنه مطبوع على ذلك والتساهل به مع كونه لا يكذب قَبِل خبره. وإن اتهمه بالكذب ترك العمل بخبره. 
  • ومن خوارم المروءة أخذ الأجر على التحديث، وذلك لما يلي:
١- شاع بين أهل الحديث التخلق بعلو الهمم، والإعراض عن المقابل.
٢- لأنه قد يُساء الظن بآخذ الأجر أن يتزيّد ويدّعي مالم يسمع لأجل الأجرة. إلا عند قرينة تنفي سوء الظن، كأن يُمنع من الكسب لأجل التحديث. وأجازه بعضهم كما في تعليم القرآن.

٢- الابتداع. هو اعتقاد ما حدث على خلاف المعروف عن النبي ﷺ وأصحابة لا بمعاندة بل بنوع شبهة.
آراء العلماء في حكم رواية المبتدع:
١- من لا يكفّر ببدعته كالخوارج والروافض غير الغلاة المخالفين لأصول السنة لكنه مستند تأويل ظاهره سائغ.
مذهب طائفة من السلف: رد روايته مطلقا. ومأخذ هذا القول: 
- أن المبتدع فاسق ببدعته، وهو مثل الكافر سواء كان الفسق متأول أو غير متأول.
- أن البدعة لا يؤمن معها الكذب.
- كما أن في قبول روايته ترويجا لأمره.
مذهب أبي حنيفة والشافعي ويحيى القطان وعلي ابن المديني: قبول روايته مالم يُتّهم باستحلال الكذب لنصرة مذهبه، ولا يدعو إلى بدعته.
مأخذ هذا القول أن اعتقاد حرمة الكذب تمنع من الإقدام عليه فيحصل الصدق.
كما أن الضرورة ملجئة إلى قبول روايته ، كما قال علي بن المديني “لو تركت أهل البصرة للقدر وتركت أهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب” يعني لذهب الحديث.
مذهب الأكثر من العلماء: التفصيل: 
قبول رواية غير الداعية لبدعته، ورد حديث الداعية إلى بدعته.
مأخذ هذا القول: أن المبتدع إذا كان داعية كان عنده باعث على رواية ما يشيد به بدعته، وقد يحمله ذلك على تحريف الروايات على ما يقتضيه مذهبه.
ثمة روايات عن الإمام أحمد:
الحكم برواية المبتدع وردّها يختلف بحسب نوع بدعته.
٢- من يكفّر ببدعته التي يكون التكفير بها متفقا عليه من جميع الأئمة كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي رضي الله عنه.
الحافظ ابن كثير وابن حجر: لا تقبل روايته.

٣- الفسق. الفاسق: من عُرِف بارتكاب كبيرة، أو بإصرار على صغيرة. 
ومن ظهر فسقه من الرواة فحديثه مردود سواء كان فسقه بالفعل أو بالقول. ويسمى حديثه بالمنكر.
للمنكر إطلاقين: ما تفرد به ضعيف لا يحتمل لفسقه أو فحش غلطه أو كثرة غفلته. 
        أو ما رواه الضعيف مخالفا من هو أوثق منه.

٤- التهمة بالكذب. حديث المتهم بالكذب يسمى المتروك، ويكون في حالتين، هما:
١- أن يتفرد الراوي برواية ما يخالف أصول الدين وقواعده العامة. إذا لم يكن في الإسناد من يُتّهم غيره.
٢- أن يعرف عنه الكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي.

٥- الكذب. الكذاب من كذب على النبي ﷺ ولو مرة واحدة.
أي أن يروي راو عن النبي ﷺ مالم يقله ولم يفعله ولم يقرّه متعمدا لذلك.
وحديث الكذاب يسمى الموضوع.

   حكم رواية التائب من الكذب متعمدا:
    • الإمام أحمد: لا تقبل روايته أبدا وإن حسنت توبته.
    • النووي: قبول روايته إذا صحت توبته.
    • المختار: القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة.

ما يتعلق بضبط الراوي: 
ما يشمل ضبط الصدر وضبط الكتاب معا، وجه واحد:
التساهل في سماع الحديث ( التحمّل ) أو ( إسماعه ) الأداء، وذلك كعدم المبالاة بالنوم في مجلس السماع، ومن عُرِف بذلك لم تقبل روايته.

ما يختص بضبط الصدر، خمسة أوجه:
١- سوء الحفظ: أن لا يترجّح جانب إصابة الراوي على جانب خطئه.
     وسوء الحفظ قسمان، هما:
      • ما يكون ملازما للراوي، فهذا يدور الحكم على حديثه بحسب ما تقتضيه القرائن.
      • ما يكون طارئا على الراوي لكبره أو لاحتراق كتبه التي كان يعتمدها وصار يرجع لحفظه فساء حفظه وهو ما يعرف بـ ( الاختلاط )، يقبل من حديثه ما كان قبل الاختلاط.
من الكتب المعينة على هذا الباب: الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط، لبرهان الدين الحلبي.  
٢- كثرة المخالفة: أي أن يخالف الراوي من هو أوثق منه أو جمعا من الثقات.
    • إن كانت المخالفة بالمغايرة التامة في المعنى بحيث يقع التضاد بين الروايتين:
فهو ( الشاذ ) إن كان الراوي ثقة أو صدوقا.
وهو ( المنكر ) إن كان الراوي ضعيفا.
    • إن كانت المخالفة بتغيير سياق الإسناد فهو ( مدرج الإسناد ).
    • إن كانت بدمج موقوف ونحوه في مرفوع فذلك ( مدرج المتن ).
    • إن كانت بتقديم أو تأخير فـ ( المقلوب ).
    • إن كانت بزيادة راوٍ في الإسناد مع وقوع التصريح بالسماع في الطريق الناقصة فذاك ( المزيد في متصل الأسانيد ).
    • إن كانت بإبدال راوٍ ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى، فهو ( المضطرب )، وقد يقع في المتن.
    • وإن كان بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق فله صورتان:
إن كان بالنسبة إلى النقط فهو ( المُصحَّف ).
وإن كان بالنسبة إلى الشكل فهو ( المحرَّف ).

٣- كثرة الوهم: أي أن يروي الراوي على سبيل الخطأ والتوهّم. فيَصِل الإسناد المرسل ويرفع الأثر الموقوف ونحو ذلك.
ويُعرف بجمع الطرق والمقارنة بينها فما ظهر فيه الوهم فهو (المعلل).

٤- شدة الغفلة: أي عدم الفطنة بأن لا يكون لدى الراوي من اليقظة والإتقان ما يميّز به الصواب من الخطأ في مروياته.
يعرف ذلك بـ(التلقين) متى كان الراوي يتلقّن ما لُقِّن سواء كان من حديثه أو لم يكن.


٥- فُحش الغلط: أي أن يزيد خطأ الراوي على صوابه زيادة فاحشة يخرج بها عن الاعتبار في المتابعة.
لا يقوّي غيره ولا يتقوّى بغيره، ويعد ما تفرد به منكرا كما في رواية ظاهر الفسق وشديد الغفلة.

ما يختص بضبط الكتاب، وجه واحد:
التساهل برواية الحديث من فرع لم يقابل بالأصل، وهو محل خلاف على ثلاثة أقوال:
١- القاضي عياض: منع الرواية عند عدم المقابلة مطلقا.
٢- أبو إسحاق الأسفرائيني: أجاز ذلك.
٣- بعض الأئمة: الجواز بشروط:
            • أن يبين الراوي عند الأداء أنه لم يعارض بالأصل.
            • وزاد بعضهم أن يكون الراوي قد نقل من الأصل المعتبر.
            • وزاد بعضهم: أن يكون الناقل للنسخة الفرع من الأصل صحيح النقل قليل السقط.

مالا يتعلق بالعدالة ولا بالضبط غالبا، وهو ثلاثة أوجه:
    ١- التدليس.                  ٢- كثرة الإرسال.               ٣- كثرة الرواية عن المجهولين والمتروكين.

أولا: التدليس، وهو ثلاثة أقسام:
تدليس الإسناد:
أن يروي الراوي عمن لقيه مالم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع وعدمه. كأن يقول (عن فلان).
تدليس التسوية:
أن يروي المدلس حديثا يصرح فيه السماع من شيخه ثم يسقط من الإسناد راويا ضعيفا من بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، وليس الأول منهما بمدلس. ويأتي بلفظ محتمل لسماع أول الثقتين من الآخر، فيستوي الإسناد كله ثقات.
تدليس الشيوخ:
أن يروي الراوي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لما لا يعرف به لكيلا يعرف.

يحكم لرواية المدلس بالاتصال وإن وردت معنعنة في حالين:
١- إذا وردت من طريق النقاد المحققين لسماع ذلك المدلس لما عنعنه فيما ورد عن طريقهم.
٢- إذا كانت تلك الرواية عمن أكثر المدلس من الرواية عنه.

أحاديث المدلسين التي في الصحيحين بصيغة العنعنة يحتمل فيها مايلي:
١- ورودها صريحة بالسماع في موضع آخر من الصحيح نفسه أو في الصحيح الآخر، أو أحد دواوين السنة.
٢- كون الراوي المدلس من أهل المرتبتين الأولى أو الثانية من مراتب المدلسين.
٣- كون الرواية من طريق بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها.
٤- كون رواية المدلس عن أحد شيوخه الذين أكثر من الأخذ عنهم.
٥- ورود رواية المدلس مقرونة برواية غيره، أو ورودها في المتابعات والشواهد.
٦- احتمال اطلاع الشيخين على طريق صريحة بالسماع.
أهم الكتب في مراتب المدلسين:
تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، للحافظ ابن حجر. 
ثانيا: كثرة الإرسال:
الإرسال نوعان:
١- الإرسال الظاهر ( الجلي )، يعرف بعدم المعاصرة بين الراويين.
٢- الإرسال الخفي، يعرف بعد اللقاء بينهما مع تحقق المعاصرة.

هل يجوز تعمد الإرسال؟
قال الحافظ ابن حجر: لا يخلو المرسل أن يكون شيخ من أرسل الذي حدّث به:
١- عدلا عنده وعند غيره، وهو جائز بلا خلاف.
٢- غير عدل عنده وعند غيره، ممنوع بلا خلاف.
٣- عدلا عنده لا عند غيره.
٤- غير عدل عنده عدل عند غيره. كل من ٣،٤ يحتمل الجواز وعدمه وتردده بينهما بحسب الأسباب الحاملة عليه.

أسباب الإرسال:
الحامل على الإرسال لمن كان لا يرسل إلى عن ثقة:
١- أن يكون سمع الحديث عن جماعة ثقات وصح عنده فيرسله اعتمادا على صحته عن شيوخه.
٢- أن يكون نسي من حدّثه به وعرف المتن فذكره مرسلا.
٣- أن لا يقصد التحديث -بأن يذكر الحديث على وجه المذاكرة أو الفتوى- فيذكر المتن ولا سيما إن كان السامع عارفا بمن طوى لشهرته.
أما من كان يرسل عن كل أحد فربما كان الباعث له على الإرسال ضعف من حدثه.

درجات مراسيل الرواة:
١- أعلاها: ما أرسله صحابي ثبت سماعه.
٢- ثم مرسل صحابي له رؤية فقط دون السماع.
٣- ثم مرسل المخضرم.
٤- ثم مرسل المتقن.
٥- ثم مرسل من كان يتحرى في شيوخه، كمجاهد.
٦- ثم مرسل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن.

أهم الكتب في معرفة ذوي الإرسال:
المراسيل، لعبد الرحمن بن أبي حاتم.

ثالثا: كثرة الرواية عن المجهولين والمتروكين: ينتقد ذلك على الراوي لما يلي:
١- عدم عنايته بانتقاء شيوخه.
٢- عدم التمكن من الوقوف على حال المجهولين.
٣- عدم الفائدة من روايات المتروكين في مقام تقوية الروايات.

تتقوى رواية الضعيف في ضبطه بثلاث شروط:
١- أن لا يكون الضعف شديدا.  ٢- أن تعتضد بمتابعة أو شاهد من مثله أو أقوى منه.   ٣- أن لا تخالف روايته الأوثق أو الثقات. 


مراتب الجرح والتعديل:
ممن اعتنى بها: ابن الصلاح، والذهبي، والعراقي، والسخاوي، والحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه تقريب التهذيب، وابن حاتم.




***
لتحميل نسخة من تلخيص كتاب ضوابط الجرح والتعديل pdf