20‏/03‏/2017

المنهج العلمي في دراسة الحديث المعلِّ

فيما يلي تلخيص للكتاب وهو لا يغني عنه ولن يفيد لمراجعة أهم العناوين الرئيسية فيه

تلخيص كتاب:
المنهج العلمي في دراسة الحديث المعلِّ
د. علي بن عبد الله الصيّاح
تعريف العلة:
لغة: علَّ :  لها ثلاثة أصول صحيحة:   ١- تكرر أوتكرير      ٢- عائق يعوق      ٣- المرض.
اصطلاحا: العِلّة والحديث المعل:
المعنى الأول: معنى خاص يراد به العلة الغامضة في إسناد ظاهره الصحة.
ليس لها ضابط، قد تكون اختلافا في إسناد حديث كرفعه ووقفه، أو وصله وإرساله. أو اختلافا في متن حديث كاختصاره أو الإدراج فيه أو روايته بالمعنى. وهو المراد في كلام المتأخرين الذي ذكروه في كتب المصطلح.
المعنى الثاني: عام يراد به الأسباب التي تقدح في صحة الحديث المانعة من العمل به. ومعناها أوسع من السابق.

أول من ذكر هذا العلم كنوع من أنواع علوم الحديث:
الحاكم أبو عبد الله محمد النيسابوري.

الأئمة المتقدمين في باب التعليل متفقون في الجملة:
أمثال شعبة بن الحجاج ويحيى القطان وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والنسائي والدارقطني وغيرهم متفقون في باب التعليل والتعليل بالتفرد بضوابط متفقون في الجملة وإن وقع منهم بعض الاختلاف.

أن تعاليل بعض الأئمة للأخبار مبنية في الغالب على الاختصار والإجمال والإشارة:
فيقولون: (الصواب رواية فلان) أو (وَهِم فلان) أو ( حديث فلان يشبه حديث فلان) ولا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك مع وجودها عندهم. وسبب ذلك: أن كلامهم موجه في الغالب إلى أناس يفهمون الصناعة الحديثية والعلل والإشارة، وقد خَشِي الأئمة من أن يساء بهم الظهر إذا تكلموا بهذا عند من لا يحسنه.

بعض أئمة العلل والمبرزين فيه:
١- شعبة بن الحجاج الواسطي. أول من وسع الكلام في علم الجرح والتعديل واتصال الإسانيد وانقطاعها ونقب عن دقائق علم العلل.
٢- ثم تلميذه يحيى بن سعيد القطان. 
٣- عبد الرحمن بن مهدي أبو سعيد. 
٤- يحيى بن معين أبو زكريا. 
٥- علي بن عبد الله المديني. من أبرز من أظهر هذا الفن وأشهره وأكثر فيه التصنيف.
٦- إسحاق بن راهويه.
٧- أحمد بن حنبل. وغيرهم كثير.

المؤلفات في هذا الفن كثيرة ومتعددة الطرائق والمناهج:
صنفت فيه كتب كثيرة مفردة بعضها غير مرتبة وبعضها مرتبة. غير أن الموجود قليل والمطبوع أقل لصعوبته وعدم الاهتمام به. مثل: التمييز لمسلم بن الحجاج، العلل الكبير للترمذي، علل ابن عمار الشهيد، علل ابن أبي حاتم، التتبع والعلل للدارقطني، شرح علل الترمذي لابن رجب.
وبعضها مبثوثة في كثير من كتب الجرح والتعديل والتواريخ والسنن وغيرها من الكتب مثل:
التاريخ الكبير، والأوسط للبخاري، سنن الترمذي، السنن الكبرى والصغرى للنسائي، تهذيب الآثار للطبري، السنن الكبرى للبيهقي.

خطوات دراسة الحديث المُعل:
بيان هذه الخطوات من خلال نص إمامين من أئمة العلل هما: يعقوب بن شيبة ، والدارقطني.

الخطوة الأولى: جمع طرق الحديث والنظر فيها مجتمعة:
والنظر في اختلاف الرواة والاعتبار بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.

الخطوة الثانية: تحديد مدار الحديث، والتعريف به وبيان حاله.
تحديد مدار الحديث أي الراوي الذي تلتقي عنده الأسانيد، والتعريف به من حيث اسمه ونسبه ومولده ووفاته وموطنه وأشهر شيوخه وتلاميذه.

الخطوة الثالثة: ذكر الرواة عن المدار وبيان اختلافهم عنه: مع مراعاة مايلي:
  • التأكد من سلامة الإسناد إلى الراوي عن المدار.
  • التأكد من عدم وجود اختلاف على الراوي عن المدار.
  • دراسة حال الراوي وبيان درجته من حيث الرواية ولا يتوسع في الترجمة بل يذكر ما يفي بالغرض.
  • ترتيب الروايات عن المدار حسب الاتفاق والاختلاف.

الخطوة الرابعة: الموازنة بين الروايات وبيان الراجح وأسباب الترجيح:
بهذه الخطوة يتميز الناقد البصير من غيره، ويتنبه الباحث في هذه الخطوة إلى أمور:
الأمر الأول: 
أن لا يحاكم الباحث الأئمة والنقاد المتقدمين على ضوء معلوماته التي استمدها من الكتب المتأخرة. فيعمد إلى تغليط الأئمة في مصطلحاتهم فيفوّت على نفسه علما كثيرا.
الأمر الثاني: 
إتباع الأئمة المتقدمين في تعليلهم للأخبار إذا لم يوجد مخالف لهم، حيث قد تقصر عبارة المعلل منهم فلا يفصح بما في نفسه من ترجيح، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله فالأولى اتباعه، وعدم التسرع بالرد عليه، وهذا من باب الإتباع المحمود لا التقليد المذموم. 
أما إن وجد غيره صححه فينبغي الترجيح بين كلاميهما.
الأمر الثالث: 
أهمية معرفة قرائن الترجيح التي طبقها الأئمة للموازنة بين الروايات المعلة، مثل: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع ونحوه.

قرائن الترجيح والجمع والتعليل عند حفاظ الحديث ونقاده:
أحيانا يصرح بها الأئمة وأحيانا تستنبط من صنيعهم، ومن ذلك:
١- الترجيح بالحفظ والإتقان والضبط، وقد عقد الترمذي في جامعه فصلا ذكر فيه تفاضل أهل العلم في الحفظ.
٢- الترجيح بالعدد والكثرة إن تساووا بالحفظ، والترجيح للأحفظ إن استوى العدد.
٣- سلوك الراوي للجادة والطريق المشهور. 
٤- الترجيح بالنظر إلى أصحاب الراوي المقدمين فيه. وهذه أشهر القرائن في كتب العلل. وقد عنى أئمة العلل بتقسيم الرواة عن الأئمة المشهورين وجعلهم طبقات وبينوا من يقدم منهم عند الاختلاف.  وأحسن من ذكر نصوصهم مجتمعة ابن رجب في شرح علل الترمذي.
٥- الترجيح باعتبار البلدان واتفاقها. أي أن أهل البلد أعرف برجالها.
٦- الترجيح بالزيادة. وهذا حسب حال الراوي وما يناسبه من الترجيح.
٧- عدم وجود الحديث في كتب الراوي الذي روى الحديث عنه.
٨- شهرة الحديث وانتشاره من طريق يدل على غلط من رواه من طريق آخر.
٩- وجود قصة في الخبر تدل على صحة الطريق.
١٠- التفرد - سواء مع المخالفة أو عدمها - خاصة عن الأئمة المشهورين.
١١- تحديث الراوي في مكان بدون كتبه.
١٢- التحديث بنزول مع إمكانية العلو في السماع.
١٣- عدم العلم برواية الراوي عمن روى عنه، أو عدم سماعه منه.
١٤- رواية الراوي عن أهل بيته.
١٥- اختلاف المجالس وأوقات السماع، وسماع اثنان لرواية من نفس المجلس أقوى من سماع أحد الحفاظ وإن كانوا أتقن منه.
١٦- ورود الحديث بسلسلة إسناد لم يصح منها شيء، أو في باب لم يصح فيه شيء.
١٧- كتابة الحديث والتحديث من كتاب، وهم قوم ثقات لهم كتاب صحيح وفي حفظهم بعض شيء.
١٨- ضعف الراوي أو وهمه أو اضطرابه، وهي قرينة مشهورة.
١٩- مشابهة الحديث لحديث راو ضعيف. حذّاق النقاد لكثرة ممارستهم للحديث لهم فهم خاص يفهمون به أن حديث فلان يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره.
٢٠- اتفاق حديث الرجلين في اللفظ يدل على أن أحدهما أخذه عن صاحبه.
٢١- قبول الراوي للتلقين.
٢٢- مجيء ما يدل على خلاف الحديث المرفوع عن نفس الراوي موقوفا عليه.
٢٣- مخالفة الراوي لما روى سواء وجد اختلاف أو لم يوجد.
٢٤- اضطراب إحدى الروايات، حديث لم يختلف فيه على راويه أصلا أصح من حديث اختلف فيه في الجملة.
٢٥- تصريح الراوي بالرجوع عن رواية معينة.
٢٦- شهرة الراوي بأمر معين، كاختصار المتون أو الإدراج فيها أو الرواية بالمعنى أو قصر الأسانيد أو جمع الرواة حال الرواية..إلخ.
والقرائن كثيرة لا تنحصر فكل حديث له نقد خاص وكل حديث يقوم به ترجيح خاص.
قال ابن رجب:

“قاعدة مهمة: حذّاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره وإنما يرجع فيه إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم”.

يمكنكم تلخيص نسخة من الكتاب في الرابط التالي:

17‏/03‏/2017

ضوابط الجرح والتعديل

تأليف: د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف

فيما يلي تلخيص للكتاب إلى ص ٩٤ ، وسيتم إكمال التلخيص إن شاء الله ، وهو لا يغني عن الكتاب لكن يعين على حفظ أهم ما ورد فيه مع ضرورة فهم الشرح من الكتاب.

***


تلخيص كتاب
ضوابط الجرح والتعديل
د. عبد العزيز العبد اللطيف

الجرح لغة: 
الجَرح بالفتح: التأثير في الجسم بالسلاح.
الجُرح بالضم: اسم للجرح.
وقيل الجَرح باللسان و الجُرح في الأبدان بالحديد ونحوه.

الجرح اصطلاحا:
وصف الراوي في عدالته أو ضبطه بما يقتضي تليين روايته أو تضعيفها أو ردها.
تليين روايته: الصدوق سيء الحفظ ، تتقوى روايته بوجود قرينة.
تضعيف روايته: لا يخلو من أن يكون تضعيفه:
١- تضعيف مطلق : لا تقبل روايته لكن تتقوى بالمتابعة من مثله فيرتقي إلى حسن لغيره.
٢- تضعيف مقيد : بالرواية عن بعض الشيوخ أو البلدان أو الأوقات، فيختص الضعف به.
٣- تضعيف نسبي: يكون عند المفاضلة بين راويين أو أكثر، يختلف الحكم عليه بحسب الحال.
رد روايته: هو الضعيف جدا لا يقوي غيره ولا يتقوى بغيره.

التعديل : 
لغة: التسوية.
اصطلاحا: وصف الراوي في عدالته وضبطه بما يقتضي قبول روايته.

العدالة: ملكة تحمل المرء على ملازمة التقوى والمروءة.
العدل: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
الإسلام والبلوغ شرطان للأداء وليسا بشرطين للتحمل، 
البلوغ والعقل مناط التكليف الشرعي.
السلامة من الفسق وخوارم المروءة تكون في حال الراوي، ويقل التضعيف لخوارم المروءة.

الأصل في اعتبار عدالة الراوي: 
  • قوله تعالى: “يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..” نص في وجوب التبين والتثبت.
  • الحديث المتواتر: “نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه..” وفي رواية “ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعنص على الحفظ والضبط عند الأداء.
حكم الجرح شرعا: جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة ولا يعد من الغيبة المحرمة. وذكر النووي أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعا لا يمكن الوصول إليه إلا بها.
من الأدلة على جواز الغيبة لغرض شرعي مايلي:
- ما اتفق عليه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها:
«أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلَّق النبي في وجهه وانبسط إليه فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلَّقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله ﷺ: يا عائشة متى عَهِدتني فاحشاً؟ إنّ شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة مَنْ تركه الناس اتقاء شرّه» وفي رواية: «اتقاء فُحْشِهِ».
- عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة فقال النبي ﷺ: “فإذا حللت فآذنيني”. قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني. فقال: رسول الله ﷺ: “أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد…”. 
هل يشترط في الراوي غير العدالة والضبط؟
١- مالا يشترط بالإجماع: حرية الراوي، روى البغدادي الإجماع على قبول رواية العبد.
٢- مالا يشترط على القول الراجح عند الجمهور: 
    • ما يتعلق بالراوي :
١- الذكورية، منقول عن أبو حنيفة واستثنى أخبار عائشة وأم سلمة.
٢- الفقه، اشترطه أبو حنيفة إذا خالف خبره قياس الأصول، واشترطه آخرون عند تفرد الراوي، واشترطه أبو حبان عند أداء الراوي من حفظه.
٣- الشهرة بسماع الحديث.
٤- كون الراوي بصيرا غير أعمى.
٥- كونه معروف النسب.
إنما لم تشترط هذه الأمور لقوله ﷺ : “نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها” لم يفرق بين من استوفى هذه الشروط ومن لم يستوفها. 
وقوله ﷺ : “رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه..” صريح في عدم اشتراط فقه الراوي.
  • ما يتعلق برواية الراوي:
١- عدم تفردها بالحديث.
٢- عدم إنكار راوي الأصل رواية الفرع عنه على وجه النسيان.
ما تثبت به العدالة:
مذهب الجمهور:
١- الاستفاضة : أن يشتهر الراوي بالخير، فيكفي ذلك عن بينه تشهد بعدالته، مثل الإمام مالك وشعبة والسفيانين والشافعي ومن جرى مجراهم.
٢- تنصيص الأئمة المعدلين على عدالة الراوي: ويكفي تعديل الإمام الواحد على القول الراجح قياسا على قبول خبر الراوي الثقة عند تفرده.
وقيل لابد من تعديل اثنين: 
  • لأن التزكية تحتاج في ثبوتها إلى عدلين كالرشد والكفاءة.
  • وقياسا على الشهادة في حقوق الآدميين.
وهو الراجح لأنه مقتضى الاحتياط للرواية، إذ المقصود توثيق الراوي لا التعريف به فقط.

طريقة أبي بكر البزار: ثبوت عدالة الراوي برواية جماعة من الجُلة عنه. 
نحوه قول الذهبي:” والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح”. أي أن رواية العدل عن غيره تعديل له، لأن العدل لو كان يعلم فيه جرحا لذكره.
    • أجاب الخطيب البغدادي عن هذا القول: يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالة من روى عنه فلا تكون روايته عنه تعديلا ولا خبرا عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها.
    • رد ابن حجر على قول الذهبي عن الجمهور بأنه لم يصرح به أحد إلا ابن حبان، وهو حق في من كان مشهورا في طلب الحديث والانتساب إليه.

قول ابن عبد البر: كل حامل لهذا العلم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره على العدالة حتى يتبين جرحه.
استدل بحديث: “ يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عُدولُه”. فيه إخبار بعدالة حملة هذا العلم.
      • أسانيد الحديث ضعيفة.
      • على فرض ثبوته فهو خبر بمعنى الأمر، ويدل على ذلك رواية “ليحمل هذا العلم..” وإن كان بمعنى الخبر فيكون فيمن يحمل هذا العلم لكونهم مظنة للعدالة.

قول ابن حبان: أن العدل من لم يعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يُجرح فهو عدل حتى يتبين جرحه.
ونحوه ما نقله الخطيب البغدادي: زعم أهل العراق أن العدالة هي إظهار الإسلام وسلامة المسلم من فسق ظاهر فمتى كانت هذه حاله وجب أن يكون عدلا.
استدل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا”.
    • الحديث مرسل.
    • على فرض ثبوته قد يكون هذا الأعرابي ثبت منه هذا قرب إسلامه وهو طاهر من كل ذنب.
    • أجاب الخطيب البغدادي فقال: هذا غير صحيح ولا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحد إلا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذهبه. واستدل بما ذُكر عن عمر بن الخطاب لما رد خبر فاطمة ابنت قيس في إسقاط نفقتها مع ظهور إسلامها واستقامة أمرها.
    • ويجاب عن كون التكليف خاص بظواهر الأحوال فهو مردود لأن مجهول العين ومجهول الحال لا يمكن الحكم عليها بفسق في العدالة ولا تغفيل في الضبط لكن كلا منهما محتمل ولا يدفع هذا الاحتمال إلا التوثيق الصريح.

إذا روى العدل عن رجل وسماه. فهل تعتبر روايته عنه تعديلا منه له؟
١- قول أكثر العلماء : لا تعتبر تعديلا منه لمن روى عنه.
تعليل ذلك: أنه يجوز أن يروي العدل عن غير عدل فلا تتضمن روايته عنه تعديله.
٢- قول بعض أهل الحديث وبعض الشافعية: تعتبر تعديلا منه لمن روى عنه.
تعليل ذلك: أن الرواية تتضمن التعديل من جهة أن العدل لو علم فيمن روى عنه جرحا لذكره لئلا يكون غاشا في الدين.
نوقش هذا القول بأمرين:
أ- احتمال كون الراوي لا يعلم عدالة من روى عنه ولا جرحه.
ب- أن الرواية تعريف تزول به جهالة العين بشرطه، والعدالة إنما تعرف بالخبرة، والرواية لا تدل على الخبرة.
٣- إن كان ذلك العدل قد عُلم أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته توثيق لمن روى عنه.
قال السخاوي: هذا هو الصحيح عند الأصوليين وجمع من المحدثين وإليه ميل الشيخين وابن خزيمة والحاكم…

إذا عمل العالم أو أفتى على وفق حديث. فهل يعتبر ذلك تصحيحا له وتعديلا لراويه؟
١- الخطيب البغدادي: إذا عمل العالم بخبر من روى عنه لأجله فذلك تعديل له يعتمد عليه.
تعليل ذلك: 
    • لأنه لم يعمل بخبره إلا وهو عنده عدل مقبول الخبر.
    • لأنه لو عمل العالم بخبر من ليس عنده عدلا لم يكن عدلا يجوز الأخذ بقوله والرجوع لتعديله.
٢- ابن الصلاح: لا يعتبر حكما بصحة الحديث.
قال ابن كثير إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث أو استشهد به عند العمل بمقتضاه.
نوقش كلام ابن كثير بما يلي:
أ- قد يكون ثم دليل آخر من إجماع أو قياس.
ب- ربما كان المفتي ممن يرى العمل بالحديث الضعيف وتقديمه على القياس.
ج- ربما كان عمل العالم بذلك الحديث احتياطا منه.
لا تعارض بين الخطيب وابن الصلاح، لأن الخطيب قيد كلامه بقوله: “من روى عنه لأجله”.
إذا كان عمل العالم مخالفا للحديث الذي يرويه:
الخطيب البغدادي و ابن الصلاح: لم يكن ذلك جرحا منه لمن روى عنه.
وتعليل ذلك: احتمال كون العالم ترك العمل بالخبر لما يلي:
١- لخبر آخر يعارضه أو عموم أو قياس.
٢- لكونه منسوخا عنده.
٣- لأنه يرى أن العمل بالقياس أولى منه.

ما يعرف به ضبط الراوي:
١- مقارنة رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان.
٢- امتحان الراوي بأساليب متنوعة.
شروط المعدل والجارح، أن يكون:
١- عدلا.     ٢- ورِعا.     ٣- يقظا غير مغفل.    ٤- عارفا بأسباب الجرح والتعديل.

اختلاف العلماء في اشتراط تفسير الجرح والتعديل:
١- مذهب الجمهور:
يقبل التعديل مبهما ولا يقبل الجرح إلا مفسرا.
- لأن أسباب التعديل كثيرة يثقل ذكرها بخلاف الجرح فإنه يحصل بأمر واحد.
- لاختلاف الناس في موجب الجرح لاسيما إذا كان الإمام متشددا يجرح بما لا يكون قدحا عند غيره.
٢- القول الثاني:
يقبل الجرح مبهما ولا يقبل التعديل إلا مفسرا.
        • لأن الجرح إنما يؤخذ من إمام عارف بأسباب الجرح والتعديل.
        • لأن أسباب التعديل يكثر التصنع فيها والتظاهر بها.
٣- القول الثالث:
لا يقبلان إلا مفسرين. وذلك لما تقدم من تعليل اشتراط تفسيرهما لا سيما مع اختلاف الناس في موجب التعديل.
٤- القول الرابع:
يقبلان مبهمين. وذلك لما تقدم من تعليل قبولهما وإن كانا مبهمين.

٥- قول الحافظ ابن حجر:
قبول التعديل مبهما، والتفصيل في قبول الجرح على النحو التالي:
أ- إن كان من جُرِح مجملا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يُقبل الجرح فيه من أحد إلا من كان مفسرا، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي.
وهذا مأخوذ من قول الإمام أحمد: كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه.
ب- إن كان من جُرِح جرحا مبهما قد خلا عن التعديل قُبِل فيه الجرح وإن كان مبهما إذا صدر من إمام عارف.
لأن الراوي إذا لم يُعدَّل فهو في حيز المجهول، فإعمال قول المُجرِّح فيه أولى من إهماله.

الضابط لطلب تفسير الجرح: يرد الجرح مبهما غالبا، ويتأكد طلب تفسيره حيث توجد قرينة داعية إليه، كأن يحتمل الحال شكّاً إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح، أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح ولا ينتهي الاعتبار به على الإطلاق بل يكون بين بين.
أما إذا كان الجارح حبرا من أحبار الأمة أو كان المجروح مشهورا بالضعف فلا حاجة إلى التفسير.
جواب ابن الصلاح عما تضمنته كتب الجرح والتعديل من الجروح المبهمة:
قال ابن الصلاح: “ولقائل إن يقول إنما يعتمد الناس في جرح الرواة على كتب الجرح والتعديل، وقلما يتعرضون فيها لبيان السبب، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الغالب.
وجوابه: التوقف عن قبول رواية من جُرح وقبول رواية من عُدِّل، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن مسهم الجرح من غيرهم. نوقش هذا الجواب بما يلي:
١- قول الحافظ ابن كثير: أن كلام الأئمة المتصدرين لهذا العلم ينبغي أن يؤخذ مسلّما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم واتصافهم بالديانة والنصح والخبرة.
٢- قول الحافظ ابن حجر: إن خلا المجروح عن التعديل قُبِل الجرح فيه مجملا غير مبين السبب إذا صدر من عارف.

تعارض الجرح والتعديل له صورتان، هما:      ( المراد بالجرح هنا الجرح المفسّر)
١- أن يكون تعارضهما بصدورهما من إمامين فأكثر.
- مذهب الجمهور: تقديم الجرح على التعديل مطلقا، سواء زاد عدد المعِّدلين على عدد المجرحين أو نقص عنه أو استويا. لأن الجارح يعلم زيادة بخفي حال الراوي لم يطّلع عليها المعدِّل. 
وإذا زاد عدد المعدِّلين على عدد الجارحين، ففيها ثلاثة أقوال:
-   الخطيب البغدادي: يقدم التعديل على الجرح. لأن كثرة عددهم تقوي حالهم، والكثرة تفيد غلبة الظن بثبوت الحكم.
          • البلقيني: يقدم قول الأحفظ. لأنهم ليسوا على درجة واحدة من الاطلاع.
          • السخاوي عن ابن الحاجب: لا يقدَّم أحدهما على الآخر إلا بمرجّح. لأن مع المعدِّل زيادة قوة بالكثرة، ومع الجارح زيادة قوة بالاطلاع على الباطن.

٢- أن يتعارضا وقد صدرا من إمام واحد. ولها حالتان:
- أن يتبين تغير اجتهاد الإمام في الحكم على الراوي، حينئذ نأخذ بالقول المتأخر من قوليه.
- أن لا يتبين تغير اجتهاد الإمام في حكمه على الراوي، فالعمل على الترتيب التالي:
أ- يطلب الجمع بين القولين إن أمكن، فإن المعدِّل قد يقول فلان ثقة ولا يريد أنه ممن يحتج بحديثه وإنما ذلك على حسب ما هو فيه ووجه السؤال له.
ب- إذا لم يمكن الجمع طُلِب الترجيح بالقرائن، كأن يكون بعض تلاميذ الإمام أكثر ملازمة له من بعض فتُقدّم رواية الملازم على غيره.
ج- إذا لم توجد قرينة يرجّح لها نأخذ بأقرب القولين إلى أقوال أهل النقد المعتدلين.
د- إذا لم يتيسر ذلك كله فالتوقف حتى يظهر مرجّح. 

من ضوابط تعارض الجرح والتعديل:
١- اعتبار منهج الأئمة في جرحهم وتعديلهم، فهم على ثلاثة أقسام:
    • من هو متعنّت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ويلين بذلك حديثه. مثل شعبة بن الحجاج والنسائي.
    • من هو معتدل في التوثيق منصف في الجرح. ومنهم سفيان الثوري والبخاري وأحمد.
    • من هو متساهل. مثل الترمذي وابن حبان.
فائدة هذا التقسيم: 
إذا جاء التوثيق من المتشددين يُؤخذ به. إلا إذا خالف الإجماع أو كان الجرح مفسَّرا.
إذا جرح المتشددين راويا ووافقه أحد ولم يُوثّق فهو ضعيف.
وإذا جاء التوثيق من المتساهلين و وافقهم أحد من الأئمة أُخِذ بقولهم. وإن انفرد فلا يُسلّم له.
أما المعتدلون المنصفون فإنه يعتمد على أقوالهم في الحكم على الرواة جرحا وتعديلا مالم يعارض بجرح مفسَّر خال من التعنت فإنه يقدم على التوثيق.

٢- كل طبقة من طبقات نقّاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط.
فمن الأولى شعبة بن الحجاج و سفيان الثوري ، وشعبة أشد.
ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد.
ومن الثالثة يحيى بن معين والإمام أحمد، ويحيى أشد.
ومن الرابعة أبو حاتم الرازي والبخاري، وأبو حاتم أشد.
والفائدة من ذلك طلب المقارنة بين أقوال النقّاد من الطبقة الواحدة في حكمها على الراوي.

٣- يُتوقف في قبول الجرح إذا خُشي أن يكون باعثه الاختلاف في الاعتقاد أو المنافسة بين الأقران. قال الحافظ ابن حجر: ينبغي التوقف في هذه الحالة كما في انحراف أبي إسحاف الجوزجاني مع أهل الكوفة. ويلتحق به غلاة الشيعة. ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب.
٤- لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته.

٥- لا عبرة بجرح لم يصح إسناده إلى الإمام المحكي عنه.

٦- لا يُلتفت إلى الجرح الصادر من المجروح إلا في الحالات التالية:
    • إذا كان الجارح إماما له عناية بهذا الشأن.
    • وقد خلا الراوي المجروح عن التوثيق.
    • ولم تظهر قرينة تدل على تحامل الجارح في جرحه.

٧- لا يلتفت إلى جرح يغلب على الظن أن مصدره ضعيف.

٨- التأني في الأخذ بجرح الإمام المتأخر إذا عارض توثيق الأئمة المتقدمين حتى يتبين وجهه بما يجرح الراوي مطلقا.

٩- قد يقع الجرح بسبب الخطأ في النسخ من الكتب.

١٠- قال الحافظ ابن حجر: “ من عُرِف من حاله أنه لا يروي إلا عنه ثقة فإنه إذا روى عن رجل وُصِف أنه ثقة عنده.

١١- الرواة الذين أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، على قسمين:
أ - من احتجّا به في الأصول.
١- من لم يُتَكُلَّم فيه بجرح، فذاك ثقة حديثه قوي وإن لم ينص أحد على توثيقه.  حيث اكتسب التوثيق الضمني من إخراج الشيخين.
٢- من تُكُلِّم فيه بالجرح فله حالتان:
                • يكون الكلام فيه تعنُّتا والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضا.
                • يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا لا ينحط حديثه عن الحسن لذاته.
ب- من خرّجا له متابعة واستشهادا واعتبارا.
إذا وُجِد لغير الإمام في أحد منهم طعن فلا يقبل إلا مبيَّن السبب، لأن الأسباب الحاملة على الجرح متفاوتة.

١٢- تراعى اصطلاحات الأئمة فيما يطلقونه من ألفاظ الجرح والتعديل.
كقول يحيى بن معين: فلان لا بأس به ، يعني ثقة. وقوله: فلان ليس بشيء، يعني أن أحاديثه قليلة جدا.
اصطلاح الذهبي عند كتابة صح أول الاسم تشير إلى توثيقه.

١٣ـ تختلف دلالة اللفظ جرحا وتوثيقا باختلاف ضبطه.
فلان مُود بمعنى: هالك، من قولهم أودى فلان أي هلك، ومُؤدّ: أي حسن الأداء.
١٤- قد يرد التوثيق والتضعيف من الأئمة مقيدين فيحكم بحسب ما يقتضيان من جرح وتوثيق. من صور ذلك مايلي:
أ - توثيق الراوي فيما حّدث به في بلد دون آخر.
كأن يحدث الراوي في مكان بدون كتبه فيخلّط، ويحدّث في مكان آخر من كتبه فيضبط.
ب- توثيق الراوي فيما حدّث به عن أهل إقليم دون آخر.
أن يسمع الراوي من أهل مِصر فيحفظ حديثهم، ويسمع من مِصر آخر فلا يحفظ حديثهم.
ج- توثيق رواية الراوي إذا جاءت من طريق أهل إقليم دون آخر.
لكون الراوي حدّث عنه أهل إقليم فحفظوا حديثه، وحدّث عنه غيرهم فلم يقيموا حديثه.
د - تضعيف ما حّدث به الراوي الثقة عن بعض شيوخه.
أن يكون الراوي ثقة، لكن في حديثه عن بعض شيوخه ضعف بخلاف حديثه عن بقية الشيوخ.
هـ - تضعيف رواية الراوي غير المتقن إذا جمع في الإسناد عددا من شيوخه دون ما إذا أفردهم، كما يفعل الواقدي وغيره ممن لا يضبط. 
أما الزهري فقد فهو حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم ويقبل منه الجمع.
و- توثيق حديث الراوي في وقت دون وقت:
أن الراوي يخلط الراوي الثقة في أواخر عمره تخليطا فاحشا أو يسيرا.
ومنهم من أضرّ في آخر عمره ، ومنهم ساء حفظه لما ولي القضاء.
ز- تضعيف رواية الراوي من حفظه وتوثيق روايته من كتابه.

١٥- يراعى سياق الكلام الذي ترد أثناءه ألفاظ الجرح والتعديل وقرائن الأحوال التي اقتضت ورودها في الراوي.

١٦- قد يرد إطلاق التوثيق من الأئمة المتقدمين أكثر شمولا منه عند المتأخرين، وهو عند المتأخرين أكثر تحديدا لدرجة الراوي. ويوضح ذلك أن الحديث عند المتقدمين إما صحيح وإما ضعيف.

١٧- قد يتخصص الراوي في فن من فنون الرواية بسبب ما يبذله فيه من جهد في تلقّيه وأداءه، فيكون حجة في ذلك الفن، وأما ما سواه فقد يحتج به أو لا.
مثل : حفص المقرئ المشهور، كان ثبتا في القراءة واهيا في الحديث.

١٨- قد ترد ألفاظ الجرح والتعديل المنقولة من كتب المتقدمين مختصرة أو محكية بالمعنى في كتب المتأخرين، فيؤثر ذلك الاختصار وتلك الحكاية للفظ الجرح والتعديل في الحكم على الراوي.

١٩- يتأثر الجرح والتعديل الصادران من الأئمة المتأخرين بقدر اطلاعهم على أقوال الأئمة المتقدمين في الحكم على الراوي.

٢٠- لا يشترط في الرواة المتأخرين ما يشترط في الرواة المتقدمين من الضبط والإتقان.
وقد اعتبر الحافظ الذهبي الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر: رأس سنة ثلاثمائة.
وجوه الطعن في الراوي
ما يتعلق بجهالة الراوي:
أي : لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح. ويدخل تحتها: إبهام اسم الراوي، وجهالة عينه، وجهالة حاله.
أسباب الجهالة:
١- أن يسمي الراوي شيخه أو يكنيه على غير ما اشتهر به ذلك الشيخ فيُظَّن أنه شيخ آخر.
٢- أن يكون الراوي مقِلّا من رواية الحديث.
٣- أن يُبهم الراوي اسم شيخه، كأن يقول: حدثني رجل، حدثني بعضهم.
٤- أن يذكر الراوي اسم شيخه مهملا، كأن يقول: حدثني فلان أو ابن فلان.
٥- عدم نص الأئمة على توثيق الراوي أو تضعيفه.
أما المبهم من الرواة: وهو من لم يسمّ اسمه، فهذا لا يقبل حديثه، لأن شرط قبول الرواية معرفة عدالة الراوي، ومن أُبهِم اسمه لا تعرف عينه.
أما توثيق المبهم: كقولهم : حدثني الثقة ، فهذا على خلاف:
١- الخطيب البغدادي: لا يكفي في توثيق الراوي، فقد يكون ثقة عند من أبهمه مجروحا عند غيره.
وهو الراجح، لأنه لا يلزم من توثيق الراوي لشيخه أن يكون كذلك عند غيره.
ولأن الإمام قد يتفرد بتوثيق الراوي المتفق على ضعفه لكونه ثقة عنده.
ولأن إضراب المحدث عن تسمية شيخه ريبة توقع ترددا في القلب.
٢- أبو حنيفة: يكفي لتوثيق الراوي، لأن الموثِّق مؤتمن على ذلك، وهو نظير الاحتجاج بالمرسل.
من ضوابط هذه المسألة:
أ- أن ذلك الراوي الموثَّق بصيغة (حدثني الثقة) قد يعرف بالنص عليه أو الاستقراء لألفاظه.
ب- أن هناك فرقا بين الإبهام بلفظ (حدثني الثقة) و ( حدثني من لا أتهم) فالأولى أرفع لصراحتها.
أما المجهول ففيه خلاف:
المذهب الأول الجمهور: أن تفرد الواحد بالرواية عن الشيخ لا يرفع عنه جهالة العين.  وأن رواية الاثنين فأكثر عنه تفيد التعريف دون التعديل، وتفصيله كالتالي:
الخطيب البغدادي:من لم يشتهر بطلب العلم ولم يعرفه العلماء به،ويعرف حديثه براو واحد.
الحافظ ابن الصلاح: المجهول ثلاثة أقسام:
            • مجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا.
            • مجهول العدالة في الباطن دون الظاهر.
            • مجهول العين.
الحافظ ابن حجر: المجهول قسمان:
            • مجهول العين: من لم يروِ عنه غير واحد ولم يوثَّق.
            • مجهول الحال: من روى عنه اثنان فأكثر ولم يوثَّق.
المذهب الثاني: مذهب ابن حبان:
قال ابن حبان: جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور إذا تعرّى خبره عن خصال خمس:
١- أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه رجل ضعيف لا يُحتج بخبره.
٢- أن يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته.
٣- أن يكون الخبر مرسلا لا يلزمنا به الحجة.
٤- أن يكون منقطعا لا يقوم بمثله الحجة.
٥- أن يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر مَن الذي سمعه منه.
وقد انتقد الحافظ ابن حجر هذا المذهب.
والتحقيق عند ابن حبان على درجات:
الأولى: أن يصرح به كأن يقول كان متقنا أو مستقيم الحديث.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
١- أن الخلاف في قبول رواية المجهول إنما هو في حق من دون الصحابة رضي الله عنهم، وأما الصحابة فهم عدول بتعديل الله لهم.
٢- روايات المجهولين على درجات، فكبار التابعين أعلى من صغار التابعين وأتباع التابعين.
٣- الرواة الذين احتج بهم في الصحيحين أو أحدهما لهم التوثيق الضمني بذلك وترتفع عنهم الجهالة.
٤- لا يلزم من حكم بعض الأئمة بالجهالة على الراوي أن يكون مجهولا فقد يعرفه غيره فيوثقه.
٥- قد يقع التجهيل من إمام في حق أئمة مشهورين فلا يضرهم ذلك شيئا.
٦- قول أبي حاتم في الرجل أنه مجهول لا يريد به أنه لم يرو عنه سوى واحد.
٧- عادة الأئمة أن لا يطلقوا كلمة مجهول إلا في حق من يغلب على الظن كونه مجهولا لا يعرف مطلقا.
٨- جميع من ضُعِّف من النساء إنما ضُعِّفن للجهالة.
٩- لا يعتبر سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن توثيق الراوي وتضعيفه توثيقا له ولا جرحا فيه.
١٠- جهالة التعيين أن يقول الراوي: (حدثني فلان أو فلان) ويسميهما فإن كانا ثقتين فالحجة قائمة بذلك، وإن جهلت حال أحدهما مع التصريح باسمه فلا حجة بذلك، لاحتمال أن يكون المُخبِر هو المجهول.
ما يتعلق بعدالة الراوي:
١- انخرام المروءة.
المروءة: هي آداب نفسانية تحمل على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، ومرجعها العرف.
متى يُجرح الراوي بالقدح في مروءته؟
إن غلب على ظن العالِم أن مرتكب المباح المسقط للمروءة أنه مطبوع على ذلك والتساهل به مع كونه لا يكذب قبِل خبره. وإن اتهمه بالكذب ترك العمل بخبره. 
  • ومن خوارم المروءة أخذ الأجر على التحديث، وذلك لما يلي:
١- شاع بين أهل الحديث التخلق بعلو الهمم، والإعراض عن المقابل.
٢- لأنه قد يُساء الظن بآخذ الأجر أن يتزيّد ويدّعي مالم يسمع لأجل الأجرة. إلا عند قرينة تنفي سوء الظن، كأن يُمنع من الكسب لأجل التحديث. وأجازه بعضهم كما في تعليم القرآن.

٢- الابتداع.
هو اعتقاد ما حدث على خلاف المعروف عن النبي ﷺ وأصحابة لا بمعاندة بل بنوع شبهة.
آراء العلماء في حكم رواية المبتدع:
١- من لا يكفّر ببدعته كالخوارج والروافض غير الغلاة المخالفين لأصول السنة لكنه مستند تأويل ظاهره سائغ.
مذهب طائفة من السلف: قبول روايته.
ومأخذ هذا القول أن البدعة لا يؤمن معها الكذب، كما أن في قبول روايته ترويجا لأمره.
مذهب أبي حنيفة والشافعي ويحيى القطان وعلي ابن المديني: قبول روايته مالم يُتّهم باستحلال الكذب لنصرة مذهبه.
مأخذ هذا القول أن اعتقاد حرمة الكذب تمنع من الإقدام عليه فيحصل الصدق، كما أن الضرورة ملجئة إلى قبول روايته ، كما قال علي بن المديني “لو تركت أهل البصرة للقدر وتركت أهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب” يعني لذهب الحديث.
مذهب الأكثر من العلماء التفصيل:
قبول رواية غير الداعية لبدعته ورد حديث الداعية إلى بدعته.
ثمة روايات عن الإمام أحمد:
الحكم برواية المبتدع وردّها يختلف بحسب نوع بدعته.
٢- من يكفّر ببدعته التي يكون التكفير بها متفقا عليه من جميع الأئمة كما في غلاة الروافض ودعوى بعضهم حلول الإلهية في علي رضي الله عنه.
الحافظ ابن كثير وابن حجر: لا تقبل روايته.
٣- الفسق.
الفاسق: من عُرِف بارتكاب كبيرة، أو بإصرار على صغيرة. 
ومن ظهر فسقه من الرواة فحديثه مردود سواء كان فسقه بالفعل أو بالقول. ويسمى حديثه بالمنكر.
للمنكر إطلاقين: ما تفرد به ضعيف لا يحتمل لفسقه أو فحش غلطه أو كثرة غفلته. أو ما رواه الضعيف مخالفا من هو أوثق منه.

٤- التهمة بالكذب. حديث المتهم بالكذب يسمى المتروك، ويكون في حالتين، هما:
١- أن يتفرد الراوي برواية ما يخالف أصول الدين وقواعده العامة إذا لم يكن في الإسناد من يُتّهم غيره.
٢- أن يعرف عنه الكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي.
٥- الكذب.
أي أن يروي راو عن النبي ﷺ مالم يقله ولم يفعله ولم يقرّه متعمدا لذلك.
والكذاب من كذب على النبي ﷺ ولو مرة واحدة. وحديث الكذاب يسمى الموضوع.
   حكم رواية التائب من الكذب متعمدا في حديث رسول الله ﷺ :
    • الإمام أحمد: لا تقبل روايته أبدا وإن حسنت توبته.
    • النووي: قبول روايته إذا صحت توبته.
    • المختار: القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة.

ما يتعلق بالضبط:
ما يشمل ضبط الصدر وضبط الكتاب معا، وجه واحد:
التساهل في سماع الحديث ( التحمّل ) أو ( إسماعه ) الأداء، وذلك كعدم المبالاة بالنوم في مجلس السماع، ومن عُرِف بذلك لم تقبل روايته.

ما يختص بضبط الصدر، خمسة أوجه:
١- سوء الحفظ: أن لا يترجّح جانب إصابة الراوي على جانب خطئه.
     وسوء الحفظ قسمان، هما:
      • ما يكون ملازما للراوي، فهذا يدور الحكم على حديثه بحسب ما تقتضيه القرائن .
      • ما يكون طارئا على الراوي لكبره أو لاحتراق كتبه التي كان يعتمدها وصار يرجع لحفظه فساء حفظه وهو ما يعرف بـ ( الاختلاط )، يقبل من حديثه ما كان قبل الاختلاط.
٢- كثرة المخالفة:
أي أن يخالف الراوي من هو أوثق منه أو جمعا من الثقات.
    • إن كانت المخالفة من المغايرة التامة في المعنى بحيث يقع التضاد بين الروايتين:
فهو (الشاذ) إن كان الراوي ثقة أو صدوقا.
وهو (المنكر) إن كان الراوي ضعيفا.
وهو (مدرج الإسناد) إن كانت المخالفة بتغيير سياق الإسناد.
ويكون (مدرج المتن) إن كانت بدمج موقوف ونحوه في مرفوع.
ويكون (المقلوب) إن كانت بتقديم أو تأخير.
ويكون (المزيد في متصل الأسانيد) وإن كانت بزيادة راوٍ في الإسناد مع وقوع التصريح بالسماع في الطريق الناقصة في موضع الزيادة.
أما (المضطرب) فيكون عند إبدال راو ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى، وقد يقع في المتن.
وإن كان بتغيير حرف مع بقاء صورة الخط بالنسبة إلى النقط فهو (المصحَّف)
وإن كان بتغيير حرف مع بقاء صورة الخط بالنسبة إلى الشكل فهو (المحرَّف)


٣- كثرة الوهم:
أي أن يروي الراوي على سبيل الخطأ والتوهّم فيَصِل الإسناد المرسل ويرفع الأثر الموقوف ونحو ذلك.
ويُعرف بجمع الطرق والمقارنة بينها فما ظهر فيه الوهم فهو (المعلل)
٤- شدة الغفلة:
أي عدم الفطنة بأن لا يكون لدى الراوي من اليقظة والإتقان ما يميّز به الصواب من الخطأ من مروياته.
يعرف ذلك بـ(التلقين) متى كان الراوي يتلقّن ما لُقِّن سواء كان من حديثه أو لم يكن.
الفرق بين الوهم والغفلة:
الوهم نوع من الخطأ قل أن يسلم منه أحد من الحفاظ المتقنين، وإنما يؤثر في ضبط الراوي إذا كثر منه ذلك حيث لا تقبل روايته، أما الوهم اليسير فإنه أثره يقتصر على الحديث الذي حصل فيه.
أما الغفلة فهي صفة لازمة لصاحبها ومن اشتدت غفلته سمّي حديثه منكرا.
٥- فُحش الغلط:
أي أن يزيد خطأ الراوي على صوابه زيادة فاحشة يخرج بها عن الاعتبار في المتابعة، فلا يقوّي غيره ولا يتقوّى بغيره، ويعد ما تفرد به منكرا كما في رواية ظاهر الفسق وشديد الغفلة.

ما يختص بضبط الكتاب، وجه واحد:
التساهل برواية الحديث من فرع لم يقابل بالأصل، وهو محل خلاف على ثلاثة أقوال:
١- منع القاضي عياض الرواية عدم المقابلة مطلقا.
٢- أبو إسحاق الأسفرائيني أجاز روايته منه فأجاز ذلك.
٣- الجواز بشروط:
- أن يبين الراوي عند الأداء أنه لم يعارض بالأصل.
- وزاد بعضهم أن يكون الراوي قد نقل من الأصل المعتبر.
          • وزاد بعضهم: أن يكون الناقل للنسخة الفرع من الأصل صحيح النقل قليل السقط.

مالا يتعلق بالعدالة ولا بالضبط غالبا، وهو ثلاثة أوجه:
١- التدليس، وهو ثلاثة أقسام:
تدليس الإسناد:
أن يروي الراوي عمن لقيه مالم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع وعدمه. كأن يقول (عن فلان)
تدليس التسوية:
أن يروي المدلس حديثا يصرح فيه السماع من شيخه ثم يسقط من الإسناد راويا ضعيفا من بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، وليس الأول منهما بمدلس. ويأتي بلفظ محتمل لسماع أو الثقتين من الآخر.
تدليس الشيوخ:
أن يروي الراوي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه لما لا يعرف له لكيلا يعرف.




معاني بعض عبارات الجرح والتعديل:
أولا: الألفاظ:
من المصطلحات العامة في التوثيق:
( حجة ) وهو أقوى من ثقة.
( ثقة ) وهو العدل الضابط، وقيل هو الممقبول، وقد يراد بها الاستقامة.
( كأنه مصحف ) كناية عن الحفظ والإتقان.
(حافظ) و (ضابط) وهما لا يكفيان في التوثيق إذا لم يقرن بلفظ (عدل).
( ثبت ) الثابت القلب واللسان والكتاب والحجة.
( صدوق ) وهو دون الثقة.
( محله الصدق ) له مطلق الصدق.
( لا بأس به ) و ( ليس به بأس ) لفظان في مرتبة الصدوق.
( شيخ ) ليست بجرح ولا تعديل.
( صالح ) و ( صالح الحديث ) الأولى للدين والثانية مقيدة بالحديث.
( مقارب الحديث ) أي مقارب لحديث غيره من الثقات.
( فلان لا أعلم له بأسا) دون قولهم لا بأس به.
( إلى الصدق ما هو ) أي ليس ببعيد عن الصدق.
من المصطلحات العامة في الجرح بالألفاظ:
( ليس بقوي ) تنفي القوة مطلقا وإن لم تثبت الضعف مطلقا.
( للضعف ما هو ) أي ليس ببعيد عن الضعف.
( تغير بآخره ) اختل ضبطه وحفظه في آخر عمره.
( تعرف وتُنكر ) يأتي مرة بالمناكير ومرة بالمشاهير.
( نَزَكوه ) طعنوا فيه.
( روى مناكير ) روى أحاديث منكرة، ولا يلزم رد كل مروياته.
( واه بمرة ) أي قولا واحدا لا تردد فيه.
( ليس بثقة ولا مأمون ) جرح شديد.
( يسرق الحديث ) أن ينفرد محدّث بحديث فيأتي اسارق ويدعي مشاركة المحدث في السماع. وهو أهون من وضع الحديث واختلاقه.
( متروك ) حين يجتمع الجميع على ترك حديثه.
( كذاب ) من كذب على النبي ﷺ ولو مرة.
(فلان أوثق منه) و( ليس مثل فلان ) تضعيف نسبي، أما (غيره أوثق منه) كناية عن جرح.
لمعرفة مراتب ألفاظ الجرح والتعديل جدول ص ١٩٣

ثانيا: الحركات: وكلها في الجرح:

تحريك الأيدي، تكلّح الوجه، تحريك الرأس، الإشارة إلى اللسان، تحميض الوجه.


***
لتحميل نسخة من تلخيص كتاب ضوابط الجرح والتعديل pdf

28‏/01‏/2017

قيمة الزمن عند العلماء

بقلم: عبد الفتاح أبو غدة

من أجمل الكتب التي قرأتها ولعلها أفضل ما كتب في تطوير الذات، كتاب أعدك أنه سيغير من نظرتك للحياة واستثمار الوقت بطريقة مختلفة، حتى أنك ستحسب لكل دقيقة حسابها وكيف تطور نفسك بشكل مستمر.

فيما يلي تلخيص مبسط عن الكتاب، ولا يغني عنه.

***
تلخيص كتاب:
قيمة الزمن عند العلماء

بقلم : الشيخ عبد الفتاح أبو غدة

الزمن من أجل النعم وأغلاها , فهو ميدان  وجود الإنسان . وقد أقسم الله سبحانه بالزمن للدلالة على عظم شأنه ، قال تعالى: (والعصر) (والضحى) وأنب الكفار في إضاعتهم لأعمارهم، (أولم نعمركم مايتذكر فيه من تذكر)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ). مغبون: أي ذو خسران، والمقصود أن غالب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ بل يصرفونها في غير محالها فيصير كل واحد منهما في حقهم وبالا.
ولعظم شأن الزمن فهو مناط المساءلة يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله أين اكتسب وفيما أنفقه، وعلمه ماذا عمل به). 

* نماذج من السلف مع الوقت: 
- كان قتاده يختم القران في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة. 
- محمد بن الحسن كان يجزأ الليل ثلاثة أجزاء جزء ينام، وجزء يصلي، وجزء يدرس. وكان يوكل غيره في حوائج أهله ليكون أفرغ لقلبه وأصفى لفكره في الإشتغال لطلب العلم. وكان يزيل نومه بالماء ويقول إن النوم من الحرارة، ويبدد الملل والفتور بتلوين القراءة والمطالعة بإنتقاله إلى علم آخر. 
- أما الجاحظ فإنه كان إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله الى آخره حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب.
- أما اسماعيل القاضي فإنه لم ير قط إلا وفي يده كتاب ينظر فيه أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه أو ينفض الكتب.
- وأخبر عبد الرحمن عن أبيه أبي حاتم فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه.
- أما ابن المَكوِي القرطبي فقد كان لا يفارق المطالعة وفيها لذته، حتى وهو يتجر في سواق البزازين وفي أيام العيد.
- سليم الرازي إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ أو يتلو لا فراغ لديه حتى أثناء إصلاحه القلم يحرك شفتيه بذكر لئلا يمض عليه زمان وهو فارغ. 
- أبو عبدالله النيسابوري يقرأ عليه في حال مرضه وهو في فراشه، ونهاه الطبيب فقال: لا أستجير أن أمنعهم من القراءة وربما أكون قد حبست في الدنيا لأجلهم .
- ابن القيم يروي عن ابن تيمية أنه إذا دخل الخلاء وصى ابنه قائلا: إقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى اسمع.
- المؤرخ ابن العديم الحلبي إذا سافر يركب في محفة تشد له بين بغلين، ويجلس فيها ويكتب. 
- ابن النفيس يسجل بعض مباحث الطب أثناء استحمامه، يخرج ويستدعي دواة وقلم وورق ويصنف مقالة ثم يعود ويكمل تغسيله .

* ما يعين على اغتنام الوقت:
١ـ الإنفراد والعزلة ما أمكن والإختصار على السلام أو حاجة مهمة. 
ابن الجزري إن اضطر للقاء البطالين شغل وقته بقص الورق وبري الأقلام وحزم الدفاتر فهي لا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فارصدها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع وقته.
٢ـ قلة الإكل:
الفخر الرازي يقول: والله إنني أتأسف في الفوات عند الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز.
٣ـ قلة النوم: 
الإمام النووي يقول: بقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد عشاء الآخرة ويشرب شربة واحدة عند السحر، وسئل عن نومه فقال: إذا غلبني النوم استندت الكتب لحظة وأتنبه.
وقال سفيان الثوري: بقلة الطعام يملك سهر الليل . 
٤- الذكر، يعطي قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يُظن فعله بدونه.
٥- حمل دفتر صغير وقلم لتقييد الفكرة إذا عنت حيثما كانت.
٦- حمل ما لطف من الكتب وخف حمله للقراءة حيث تيسرت.
فقد كان الفتح بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب في كمه أو خفه فإذا قام من بين يدي المتوكل للبول أو الصلاة أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي، يصنع ذلك في ذهابه ورجوعه. فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة، أخرج الكتاب وقرأه في مجلس المتوكل الى حين عوده.
٧- ترك المعاصي: 
شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي
٨- أن يخادع نفسه عند الملل والفتور بالأخبار والأشعار، أو الانتقال من غرفة إلى غرفة، أو الاستحمام، أو تلاوة القرآن، أو محادثة صديق. 
قال أبو العتاهية: لن يصلح النفس إذ كانت مدبّرة      إلا التنقل من حال إلى حال
٩- الاشتغال بالمهم وتقديمه على غير مهم.
وصية ابن سيرين: العلم أكثر من أن يحاط به، خذوا من كل شيء أحسنه.
١٠- سرعة الكتابة، سرعة القراءة، سرعة المشي.
١١- عدم تأخير الأعمال وتأجيلها.
“كتب عمر إلى موسى الأشعري: أما بعد، فإن القوة في العمل آن لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال - أي تتابعت وتكاثرت- فلم تدروا بأيها تأخذون، فأضعتم”.
١٢- مصاحبة المجدين الأذكياء، مذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ لساعات، وقراءة أخبار العلماء الأفذاذ.

من نتائج المحافظة على الأوقات:
تمكن العلماء من قراءة كتاب واحد مرات كثيرة، فالنبوغ في العلم والرسوخ فيه لا يأتي إلا بإدامة النظر وتكرار المطالعة لا بتلقي دروس محدودة في ساعات معدودة.
فقد قرأ أبو بكر بن عطية البخاري أكثر من ٧٠٠ مرة. وأبو اسحق الشيرازي يعيد كل درس ألف مرة. وغيرها من الأمثلة في تكرار القراءة والحفظ المتقن.

حسن توزيع كل عمل على ما يناسبه من الأوقات: 
السَّحر أحسن لمن أراد أن يصنع (كتابة الشعر والتأليف والدراسة)، وأما من أراد الحفظ فالليل، وللبحث أول النهار.

***