08‏/01‏/2014

( ٦ ) التوبة

( ٦ ) التوبة:
التوبة هي أول المنازل وأوسطها وآخرها. فلا يفارقها العبد السالك ولا يزال فيها إلى الممات.
والهداية التامة لا تكون مع الجهل بالذنوب ولا مع الإصرار عليها، لذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب، والاعتراف به، وطلب التخلص من سوء عواقبه أولا وآخرا.

أول معاني التوبة: أن تنظر إلى ما كان من تخليك عن الاعتصام بالله حين إتيان الذنب، “ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم” أي متى اعتصمت به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان، وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله. فما خلى الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك.

والخذلان: أن يكلك الله إلى نفسك، ويخلي بينك وبينها، والتوفيق أن لا يكلك إلى نفسك. 

وهكذا ترجع التوبة إلى اعتصامك به وعصمته لك.

وإذا اشتدت الغفلة على مقارفة الذنب نقلته ولابد إلى الإصرار، وذلك ذنب أعظم، وهو من عقوبة الذنب أنه يودب ذنبا أكبر.
وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب، مع تيقن نظر الله إليه.

شروط التوبة ثلاثة: الندم، الإقلاع، الاعتذار.
وهي حقيقة التوبة: الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل.

يارب: لم يكن مني ماكان عن استهانة بحقك، ولا جهلا به، ولا إنكارا لاطلاعك، ولا استهانة بوعيدك، وإنما كان من غلبة الهوى، وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة، وطمعا في مغفرتك واتكالا على عفوك، وحسن ظن بك، ورجاء لكرمك، وطمعا في سعة حلمك ورحمتك، وغرني بك الغرور، والنفس الأمارة بالسوء، وسترك المرخي علي، وأعانني جهلي، ولا سبيل إلى الاعتصام لي إلا بك، ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك.


يتبع،، 

07‏/01‏/2014

( ٥ ) المحاسبة



بدايتها أن تقايس بين نعمة الله عز وجل وجنايتك، ليظهر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته.
ثم تقايس بين الحسنات والسيئات، فتعلم أيها أكثر وأرجح قدرا وصفة.
     فإذا توغلت في هذه المقايسات فتحت لك المحاسبة بابا من التمييز بين ما عليك لله من عبودية وبين مالك، فأدّ ما عليك يؤتك مالك.

آلات المقايسة:
١- نور الحكمة: العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والضار والنافع، والكامل والناقص. ويبصر به مراتب الأعمال.
     وهناك من يتعبد بترك ما له فعله، كترك كثير من المباحات، ويظن ذلك حقا عليه، فهذا لم يميز بين ماعليه وماله.

٢- سوء الظن بالنفس: لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش. فيرى المساوئ محاسنا، والعيوب كمالا.
     ومن تمام هذا التمييز أن يعلم أن رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه وجهله بحقوق العبودية. فالرضا بالطاعات من رعونات النفس وحماقتها. وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام بها كما يليق بجلاله وكبريائه.
     ولا يكمل هذا المعنى إلا أن تربأ بنفسك عن تعيير المقصرين، فلعل تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه، وأشد من معصيته، لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس والمناداة عليها بالبراءة من الذنب وأن أخاك باء به. ولعل كسرته بذنبه أنفع له وخير من صولة طاعتك.

٣- تمييز النعمة من الفتنة: يفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف، ويعان بها على تحصيل السعادة الأبدية، وبين النعمة التي يرى بها الإستدراج، فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه، وستره عليه، وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح.

وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي مِنّة من الله، وإلا فهي حجة.
وكل حال صحبه تأثير في نصرة دينه والدعوة إليه فهو مِنّة، وإلا فهو حجة.
وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل الله لا لطلب الجزاء ولا الشكور فهو مِنّة وإلا فهو حجة،
وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو مِنّة، وإلا فهو حجة.
وكل قبول في الناس اتصل به خضوع للرب وذل وانكسار ومعرفة بعيب النفس فهو مِنّة، وإلا فهو حجة.
وكل بصيرة وموعظة وتذكير وتعريف اتصل به عبرة ومزيد في العقل والإيمان فهو مِنّة، وإلا فهو حجة.

وكل حال مع الله تعالى، أو مقام اتصل به السير إلى الله وإيثار مراده على مراد العبد فهو مِنّة، وإلا فهو حجة.

06‏/01‏/2014

( ٤ ) العزم

هذه هي المنزلة الرابعة من منازل مدارج السالكين لابن القيم.

والعزم هو القصد الجازم المتصل بالفعل. وهو نوعان:
١- عزم المريد على الدخول في الطريق ( وهو من البدايات) .
٢- عزم في حال السير معه وهو أخص من هذا ( وهو من المقامات سيشرح لاحقا إن شاء الله).

فهو يبعث على السلوك بلا توقف ولا تردد ولا علة غير العبودية، من رياء أو سمعة، أو طلب محمدة، أو جاه ومنزلة عند الخلق، بحيث لا يلقى سببا يعوق عن المقصود إلا قطعه، ولا حائلا دونه إلا منعه، ولا صعوبة إلا سهلها، فيجعل ديدنه الاستسلام لتهذيب العلم، وإجابة داعي الحكم.

فهو ينقاد إلى العلم ليتهذب به ويصلح.

05‏/01‏/2014

( ٣ ) البصيرة

إذا صحت فكرة العبد أوجبت له البصيرة، وهي نور يقذفه الله في القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأي عين فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل.

والبصيرة على ثلاث درجات:
١- البصيرة في الأسماء والصفات:
بأن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستويا على عرشه متكلما بأمره ونهيه بصيرا بحركات العالم علوية وسفلية، وأشخاصه وضواته، سميعا لأصواتهم، رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم. أمر الممالك تحت تدبيره، موصوفا بصفات الكمال، حي لا يموت، عليم لا يخفى عليه شيء..
وتفاوت الناس في هذه المرتبة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها.

٢- البصيرة في الأمر والنهي:
تكون بتجريده عن المعارضة بتأويل يعارض العلم بأمر الله ونهيه، أو تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص أو هوى يمنعه من امتثاله.


٣- البصيرة في الوعد والوعيد:
وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر، عاجلا وآجلا في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته.

والفراسة ثمرة البصيرة، لأن بها يستدل بما يشهد على ما غاب. وأهل الفراسة يستدلون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرسل من الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقد ألهم الله ذلك لآدم حين علمه أسماء كل شيء وآتاه من النعم ما يعرف به حقائق الأشياء ليشكرها بحسن الانتفاع بها، فتقوى البصيرة ويعظم النور ويدوم، ولا يزال في تزايد حتى يُرى على الوجه والجوارح والكلام والأعمال.
والفراسة الحقيقية تكون دائما حول كشف طريق الرسول وتعريفها وتخليصها من بين سائر الطرق، وبين كشف عيوب النفس، وآفات الأعمال العائقةعن سلوك طريق المرسلين. فهذه أشرف أنواع البصيرة والفراسة.

04‏/01‏/2014

( ٢ ) الفكرة

تلخيص المنزلة الثانية من منازل العبودية، من كتاب مدراج السالكين لابن القيم

حين تستحكم اليقظة بالعبد فإنها توجب له ( الفكرة ) ، وهي تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسا له.

وأفكار العقلاء ستة:

١- ما يتعلق بالعلم والمعرفة.
٢- ما يتعلق بالطلب والإرادة.
٣- ما يميز بين الحق والباطل.
٤- ما يميز بين الثابت والمنفي.
٥- الطريق إلى حصول ما ينفع ليسلكها.
٦- الطريق إلى ما يضر فيتركها.

وكلها تدور حول توحيد الألوهية والربوبية.

03‏/01‏/2014

( ١ ) اليقظة

تلخيص المنزلة الأولى من منازل العبودية، من كتاب مدراج السالكين لابن القيم

أول منازل العبودية ( اليقظة ) وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين.

وأول أنوار اليقظة: لحظ القلب إلى النعمة الظاهرة والباطنة، فيوجب له شهود النعمة نوعين من العبودية:
١- محبة المنعم واللهج بذكره.
٢- مطالعة ذنوبه ومحاولة تخليص إيمانه منها، بالتوبة والاستغفار وعمل الحسنات الماحية. ويكون هذا عندما تكمل عظمة الحق تعالى في قلبه، عندها يعرف قدر نفسه وفقرها إلى مولاها، فتعظم عنده مخالفة من هو محتاج إليه في كل نفس.

ومعرفة النعمة تصفو بثلاثة أشياء:
١- نور العقل، وهو النور الذي أوجب اليقظة. فإن من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه وعافية بدنه وقيام وجهه بين الناس فليس له نصيب من هذا النور البتة.
فنعمة الله بالإسلام والإيمان وجذب عبده إلى الإقبال عليه والتنعم بذكره والتلذذ بطاعته هو أعظم النعم.
٢- النظر إلى منن الله عليه، وكلما حدق قلبه وطرفه فيها شاهد عظمتها وكثرتها فيئس من عدها وفرّغ قلبه لمشاهدة منة الله عليه من غير استحقاق، ويوقن بتقصيره في واجبها والقيام بشكرها.
٣- الاعتبار بأهل البلاء، وهم أهل الغفلة عن الله والابتداع في الدين فهم أهل البلاء حقا.

وأعلى مراتب اليقظة: عدم تضييع الوقت.
وهذا يكون بثلاثة أمور:
١- سماع العلم لمعرفة مراتب الأعمال ونفائس الكسب.
٢- إجابة داعي الحرمة ( بتفقد إجابة داعي تعظيم حرمات الله من قلبه: هل هو سريع الإجابة لها أم بطيء عنها؟)
٣- صحبة الصالحين أرباب العزائم.
وملاك ذلك كله: خلع العادات. ويكون بتوطين النفس على مفارقتها، والغربة بين أهل الغفلة والإعراض.


تلخيص منزلة اليقظة من كتاب مدارج السالكين لابن القيم