03‏/02‏/2011

مجالس الأدب في قصور الخلفاء العباسيين


الدكتور مصطفى البشير قط
مواليد 1963
الجمهورية الجزائرية

بينما كنت أتجول في معرض الكتاب الماضي وقع بصري على هذا الكتاب ، لفت انتباهي رسم لوحة الغلاف وأسرتني صياغة العنوان وحسن الخط وجودة الإخراج والطباعة.. كل ذلك يضاف إلى غزارة المادة العلمية .

كتاب "مجالس الأدب في قصور الخلفاء العباسيين" يحتوي على ستة فصول ، وقد أتقن المقدمة في الفصل الأول حيث يقول :
إذا كان للبيوت حق على زوارها ألا يدخلوها حتى يستأنسوا ويسلموا ، فإن من حق مجالس الخلفاء العباسيين علينا قبل الولوج إليها الاطلاع على ماكان يدور فيها من أنشطة الحياة الأدبية ، أن نعرج قليلا على ما يضبطها من رسوم خاصة بأبهة الخلافة .ص 19


ومما استوقفني في هذا الفصل آداب منادمة الخلفاء العباسيين وشروطها ، حيث وجدت شروط النديم تبدأ من جمع العلوم والمعرفة بآداب الكلام  والمروءة بل وحتى الجمال ، وأيضا أن يكون حاضر البديهة سريع الجواب ومما روي في ذلك أن الحسن بن سهل كان في يده ضغث من أطراف الأراك ، فسأله المأمون عنه : ماهذه ؟ فقال : محاسنك يا أمير المؤمنين ، تجنبا لأن يقول : مساويك . ص 44

بعد ذلك يحدثنا عن مجالس الشعر ووصف القصور التي ربطها بالأدب في عنوانه ، ويصفها وهي تموج بالرياش وفاخر الأثاث والعطور والزهور وغيرها من مظاهر الترف المادي والفكري.

وتتضح ثقافة الخلفاء العباسيين حيث " تسابق الناس في هذا العصر إلى التثقف بالثقافة الأدبية شعرا ونثرا وخبرا ونادرة ، فقلما نجد إنسانا في هذا العصر لا يحسن من ضروب الأدب شيئا إما دراية وإما رواية " ص 57

ولم يقتصر اهتمامهم على الشعر فقط بل شمل الفنون الأخرى ، فقد كان "المنصور أول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية ككتاب كليلة ودمنة وكتاب اقليدس وكتب اليونان " ص61

أما الرشيد فمن أروع مواقفه التي تدل على شغفه بالعلم وحبه العلماء " أنه كان كثيرا ما يتلثم فيحضر مجالس العلماء بالعراق وهو لا يُـعـرف "

وفي الفصل الثاني نجد أخبار الخلفاء العباسيين وحبهم لألوان الشعر ، فالمنصور شعره قليل جاد لا مجال للهو فيه ، كقوله :
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة _*_ فإن فساد الرأي أن تترددا

ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة _*_ وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا


أما المأمون فله أشعار متنوعة في وصف خلافه مع أخيه الأمين وفي الغزل وفي الوصف ، ومن شعره في الغزل قوله :
لساني كتوم لأسراركم _*_ ودمعي نموم لسري يذيع
فلولا دموعي كتمت الهوى _*_ ولولا الهوى لم تكن لي دموع

وهناك المزيد من الأشعار لكل خليفة ، يتناول الكاتب الحديث عنها ومستواها ومجالها الشعري.

ثم ينتقل للفصل الثالث حيث المحاولات النقدية في مجالس الخلفاء العباسيين ، ولفت انتباهي مفهوم النقد الذي "يبدأ بالتذوق ، أي القدرة على التمييز ، ويعبر منها إلى التفسير والتعليل والتحليل والتقييم ، خطوات لا تغني إحداها عن الأخرى ، وهي متدرجة على هذا النسق ، كي يتخذ الموقف نهجا واضحا ، مؤصلا على قواعد جزئية أو عامة مؤيدا بقوة الملكة بعد قوة التمييز" ص 185

ويذكر أن أشهر من علم بالشعر من الخلفاء العباسيين : المنصور والمهدي والرشيد والمأمون . ص 189

ومن ذلك أن المأمون - شأن أبيه الرشيد - يميل إلى مذهب القدماء ويتعصب للأوائل من الشعراء ، يذكر الرواة في ذلك أن رجلا دخل عليه يوما فأنشده :
حياك رب الناس حياكا _*_ إذ بجمال الوجه رداكا
بغداد من نورك قد أشرقت _*_ وأورق العود بجدواكا

فأطرق المأمون ساعة ثم أنشد :
حياك رب الناس حياكا _*_ إن الذي أملت أخطاكا
أتيت شخصا كيسه قد خلا _*_ ولو حوى شيئا لأعطاكا

فالمأمون يبين لهذا الرجل - بطريقة غير مباشرة - أن شعره ضعيف بمقدرة كل الناس أن يقولوا مثله ، فهو شعر لا يتفق ومذهب القدماء في عمق المعاني وصحتها وجزالة الصياغة ومتانتها. ص 214
 
نتقل بعد ذلك للفصل الرابع : حيث يتناول أثر الجواري في مجالس الخلفاء العباسيين و اهتمام العرب بالجواري وتعليمهن وامتحان ثقافتهن ، وتوضيح أثر الجواري في الشعر من الناحية الإيجابية ، ثم دورهن في نشر المجون وسيطرة بعضهن على الخلفاء العباسيين وتدخلهن في السياسة.

فمنهن عريب جارية المأمون كانت شاعرة مجيدة ومغنية محسنة ، قال إسحاق الموصلي : ما رأيت امرأة أضرب من عريب ، ولا أحسن صنعة ولا أحسن وجها ولا أخف روحا ، ولا أحسن خطابا ولا أسرع جوابا ، ولا ألعب بالشطرنج والنرد ، ولا أجمع لخصلة حسنة ، لم أر مثلها في امرأة غيرها ، ومن شعرها قولها :
لا غرني بعدك بعدك إنسان _*_ فقد بدت لي منك ألوان
وإن تغيرت فما حيلتي _*_ مالي على قلبك سلطان

أما المهدي ، فقد كان له جارية شغف بها ، وهي كذلك إلا أنها تتحاماه كثيرا ، فدس إليها من عرف ما في نفسها فقالت : أخاف أن يملني ويدعني فأموت ، فقال المهدي في ذلك :
ظفرت بالقلب مني _*_ غادة مثل الهلال
كلما صح لها _*_ ودي جائت باعتلال
لا لحب الهجر مني _*_ والتنائي عن وصال
بل لإبقاء على حبي _*_ لها خوف اعتلال

وذكر لنا أبو نواس وصفا ممتعا لكتابة الشعر في الأشياء المحيطة بمجلس الأمين ، فيقول :
دخلت على الأمين أمير المؤمنين ، وهو قاعد في قبة له ، ومعه جارية لم أر قط أحسن منها ، قال : وإذا على جبين الجارية مكتوب : مما عمل في طراز الله ، وعلى رأسها إكليل مكتوب عليه :
والله ياطرفي الجاني على كبدي _*_ لأطفئن بدمعي لوحة الحزن

وفي حجرها عود مكتوب عليه:
يا أيها الزاعم الذي زعما _*_ أن الهوى ليس يورث السقما
لو أن مابي بك الغداة لما _*_ لمت محبا إذا شكا ألما

وبين أيديها صينية ذهب مكتوب عليها : 
لا شئ أحسن من أيام مجلسنا _*_ إذ نجعل الرسل فيما بيننا الحدق

وغيرها من الأشعار المكتوبة على المغسل والكأس والجدران والستائر وغيرها .. بل وحتى على الدراهم العباسية ، فقد كان المتوكل ضرب دراهم وزن كل واحد عشرة ، وعلى جانب منه مكتوب :
أمازحها فتغضب ثم ترضى _*_ وكل فعالها حسن جميل
وعلى الوجه الآخر:
فإن غضبت فأحسن ذي دلال _*_ وإن رضيت فليس لها عديل

وفي الفصل الخامس يتحدث عن أثر الغناء في مجالس الخلفاء العباسيين وتأثيره سلبا وإيجابا على مستوى الشعر. وهنا نلاحظ أن الحركة الأدبية في خط تنازلي ابتداء من مقتل الخليفة المتوكل بالإضافة لانشغالهم باللهو على حساب الحياة السياسية .

أما الفصل السادس ففيه الحديث عن فنون النثر التي تتجلى في المناظرات والمواعظ والمسامرات ، بالإضافة لمسائل لغوية ونحوية . ويختم بتراجم الخلفاء العباسيين حتى نهاية القرن الثالث الهجري.

الكتاب أعتبره من أروع ما قرأت في هذا المجال .
وهكذا نجد الكاتب خصص فصلا كاملا كمدخل للحديث عن الأدب في القصور العباسية ، فيحدثنا عن الحجابة والاستئذان و شروط النديم بالإضافة للاستفاضة في آداب مجالس الخلفاء العباسيين ، ثم الحديث عن كرم الخلفاء ودوره في رقي الأدب .

هناك 12 تعليقًا:

KrKor يقول...

ما احب اقرا عن هالعصور شي ما خذينا منهم غير الخنوع والذل والرضى بالاستعباد والظلم


مشكور على جهدك

ebtsamh يقول...

كنت رح اتردد بأقتناء كتاب كهذا

لكن بعد وصفج المشوق .. اكيد ما رح

افكر مرتين لاقتنائة :)

صج قواج الله

الحياة الطيبة يقول...

مجهود تُشكرين عليه مي والحق يقال إنك تلتقطين أجمل ما في أي كتاب وتوفرين علينا البحث والوقت والحقيقة مرة ثانية أنك أثمن من أي كتاب طرحتيه ,كتاب قيم وشعر المنصور جماله خيالي ,تحياتي .

Seema* يقول...

"Wow"

Amwaj يقول...

مشكورة ع التلخيص :)

مـي يقول...

krkor

الله المستعان !

الخنوع ليس محصورا في العصور العباسية..

العفو,,

مـي يقول...

ابتسامة

ياصباح الفل والياسمين

حياج الله
تسعدني متابعتج

:)

مـي يقول...

الحياة الطيبة

الله يرضى عليج
والله انتي الذوق كله
دايم تحرجيني بتعاملج الراقي
الله يحفظج

مـي يقول...

Seema*

;)

منورة..

مـي يقول...

أمواج

العفو يالحبيبة
:)

د.ريان يقول...

صباحكم خير وطيبة

مدونة جميلة ورائعة

مـي يقول...

د. ريان

مساءك رضا من الرحمن
جزيت خيرا