10‏/01‏/2010

قصة الأمير والغلام البليغ

 كان هشام بن عبد الملك بن مروان ذاهباً إلى الصيد في أحد الأيام، فنظر إلى ظبي فتبعه بالكلاب، فبينما هو خلف الظبي إذ نظر إلى صبي من الأعراب يرعى غنماً، فقال هشام  بن عبد الملك له: يا غلام، دونك هذا الظبي فاتني به، فرفع رأسه إليه وقال: يا جاهلاً بقدر الأخبار، لقد نظرت إلي بالإستصغار، وكلمتني بالإحتقار، فكلامك كلام جبار، وفعلك فعل حمار.

فقال هشام  بن عبد الملك : ويلك أما تعرفني ؟ 

فقال الصبي: قد عرفني بك سوء أدبك، إذ بدأتني بكلامك دون سلامك، لا قرب الله ديارك، ولا حيا مزارك، فما أكثر كلامك وأقل إكرامك. 

فما أتمم كلامه حتى أحدقت به الجند من كل جانب، وكل واحد منهم يقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين.

فقال هشام  بن عبد الملك: أقصروا عن هذا الكلام، واحفظوا هذا الغلام، فقبضوا عليه.

ورجع هشام  بن عبد الملك إلى قصره وجلس في مجلسه وقال: عليّ بالغلام البدوي، فأتو به، فلما رأى الغلام كثرة الحجاب والوزراء وأرباب الدولة لم يكترث بهم ولم يسأل عنهم، بل جعل ذقنه على صدره، ونظر حيث يقع قدمه إلى أن وصل إلى هشام  بن عبد الملك فوقف بين يديه، ونكس رأسه إلى الأرض، وسكت عن السلام، وامتنع عن الكلام، فقال له بعض الخدام: يا كلب العرب، ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين؟

فالتفت إلى الخادم مغضباً وقال: يا بردعة الحمار منعني من ذلك طول الطريق، وصعود الدرج.

فقال هشام  بن عبد الملك وقد تزايد به الغضب: يا صبي لقد حضرت في يوم حضر فيه أجلك، وغاب عنك أملك، وانصرم عمرك.

 فقال: والله يا هشام  بن عبد الملك لئن كان في المدة تأخير لم يكن في الأجل تقصير.

فقال له الحاجب: هل بلغ من مقامك يا أخس العرب أن تخاطب أمير المؤمنين كلمة بكلمة. 

فقال مسرعاً: لقيت الخبل ولا فارقك الويل والهبل، أما سمعت ما قال الله تعالى: "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها". 

فعند ذلك اغتاظ هشام  بن عبد الملك غيضاً شديداً وقال: يا سياف، علي برأس هذا الغلام، فإنه أكثر بالكلام، ولم يخش الملام.

 فأخذ الغلام ونزل به إلى نطع الدم وسل سيفه على رأسه وقال: يا أمير المؤمنين هذا عبدك المذل بنفسه السائر إلى رمسه، هل أضرب عنقه وأنا بريء من دمه؟ 

قال له الأمير : نعم.

فاستأذن ثانياً، ففهم الفتى أنه إن أذن له هذه المرة يقتله، فضحك حتى بدت نواجذه، فازداد هشام  بن عبد الملك غضباً وقال: يا صبي، أظنك معتوهاً، أما ترى أنك مفارق الدنيا، فكيف تضحك هزءاً بنفسك؟ 

فقال له يا أمير المؤمنين، لئن كان في العمر تأخير لا يضرني قليل ولا كثير، ولكن حضرتني أبيات فاسمعها فإن قتلي لا يفوتك.

فقال هشام  بن عبد الملك: هات وأوجز فأنشد هذه الأبيات: 

نبئت أن الباز صادف مـرة                             عصفور برٍّ ساقه المقـدور 
فتكلم العصفور في أظفـاره                              والبـاز منهمك عليه يطـير
مثلي ما يغني لمثلك شبعــة                              ولئن أكلت فإنني حقـــــير
فتبسم الباز المذل بنفـســــه                              عجباً وأفلت ذلك العصفور

فتبسم هشام  بن عبد الملك وقال: وحق قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تلفظ بهذا اللفظ من أول كلامه وطلب مأدون الخلافة لأعطيتها إياه، يا خادم، أحش فاه درا وجوهراً، وأحسن جائزته، فأعطاه الخادم حلة عظيمة، فأخذها وانصرف إلى حال سبيله.

ليست هناك تعليقات: